شباب وصمود


بقلم | يوسف بدوي

إن كنا سنعيش الحياة مرةً واحدة، فإنّنا بالتأكيد سنعيش الشباب مرة واحدة أيضاً، لا أختلف معكم أنّه بإمكان الشخص الذي جاوز السبعين من عمره أن يبقى شاباً في روحه و داخله، ويالَسعادة من عرف كيف يبقى شاباً ولا يشيخ.
وعلى ذكر السعادة فإنّي في هذه المقالة سأتكلم خصيصاً عن شباب عاشوا في زمانٍ ومكانٍ غير مناسبين لهم، ولا على التعيين يسرح شابٌ في خياله هنا، هو شاب من أبناء هذا البلد المشؤوم بطغمة بشار الفَسَدةِ وأذنابه، يسرح شابنا هذا في أرشيفٍ للشباب الأولين، الشباب الذين عاشوا قبل عشرين سنة أو عشر سنين، أو بالتحديد الذين عاشوا في الحقبة التي سبقت هذه الحرب الضروس، يبحث في حياتهم ويستذكر كيف كانوا يعيشون، وكيف كان يرى ذلك ويجهز نفسه لفترة شبابه التي ستأتي، يتذكر كيف كانت قاعات الامتحان في الجامعات تغصُّ بمئات الطلبة، وكيف كانت وسائل الدراسة حين ذاك.
هو بالطبع- وكما نحن- لم يعش تلك الأوقات، ولكنّه كان قد جهز نفسه ليعيشها، قبل أن يباغت حياته شبح الحرب والموت والتهجير.
لنترك ذلك الشاب في سرحانه، ولنتفكر سويةً نحن معشر الشباب إلى ما آل إليه حالنا الآن، وما الاختلافات التي طرأت، وما المآسي التي غاصت بنا، ونغوص بها نحن حتى الأعناق.
إن ّ أهم ما يجب أن نذكره هنا هي تلك الفترات الذهبية، التي كنا سنعيشها في المرحلة الثانوية والتي حرمنا منها، ربما أنا شخصياً قد عِشت القليل منها، ولكنّها لم تكن كافية لإشباع الرغبة الذاتية من تلك المرحلة الدراسية، السنوات الثلاثة تلك ( العاشر - الحادي عشر- و البكالوريا )، هي كغيرها من مراحل الحياة المختلفة التي لن تحصل إلا مرة واحدة في حياتنا، مرحلة دراسية كان يجب لو عشناها كاملة أن ندوِّنها في كتابٍ ألفيِّ الصفحات، أو أن نؤرشف صورها في سعةٍ جيدة من الجيغابايت، ولكنّ المجرمين في هذا البلد قد أفشلوا كل شيء جميل، قد هدموا كل صرحٍ للسعادة والذاكرة الجميلة، حتى الثانوية التي أتكلم عنها قد هدموها بطائراتهم اللعينة، كلُّ شيءٍ يَمُتُ للفرح بصلة قد هدموه إلا القتل و الإجرام والتهجير، فهذه قد عمروها وبنوها، أيُّ تغييرٍ قد أحدثته تلك العصبة القبيحة على هذا الجيل، على هذه الورود التي ذبلت قبل أن تتفتح تيجانها وبراعمها.
فكم من شبابنا الآن قد سلبت الحرب منهم أغلى ما يملكون، فهذا الذي خسر والده في بداية الثورة وترعرع يتيماً، و ذاك الذي خسر أمّه نتيجة قصف الطائرات، و رآها بعينيه وفُرُق الدّفاع المدني تنتشلها من تحت الأنقاض.
وذاك الذي خسر أخاه بطلقةٍ طائشة أثناء رجوعهم من المدرسة، تلك الطلقة قد فَرّقت أيديهم المتمسكة ببعضها للمرة الأخيرة، ولكن قلوبهم لم تفترق، حتى وإن نأت أجسادهم.
عداكم عن الذي فقد خطيبته أو فقدت خطيبها، أو الذي فقد رفيق دربه وزميل مقعد دراسته في الإعدادية، أو حتى الذي فقد عائلته بأكملها.
والآن بعد أن قرأتم تلك الحالات التي حصلت وتحصل في هذا البلد، فقد يتراود إلى أذهانكم البؤس والشقاء على الفور.
ولكن بعكس المتوقع فإنّ هذا الجيل قد أثبت إصراره على المضي في هذه الحياة، فكم من أولئك الأشخاص الذين عانوا قد وضعوا معناتهم خلف ظهورهم، وشدوا إزرهم، وعزموا أمرهم، واستجمعوا قوتهم، ومضوا يجتازون تلك العثرات الوعرة والشائكة.
جامعات المحرر اليوم تغص بالطلاب الذين قرروا إكمال دراستهم رغم سوء الأحوال، رغم ما تعرضوا له من معاناة وآلام وصدمات قد عصفت على هذا البلد على مرِّ سبع سنوات.
غير أنّ إيمانهم بالله كان أكبر من أي شيء، وثقتهم بقدراتهم قد تغلبت على محاولات الأشرار أن يحطموا مستقبلهم ومستقبل هذا البلد .
أتذكر الآن مقولة كنت قد قرأتها كثيراً على مدى السنوات الأخيرة الماضية، حيث يصف الشباب حالهم ويقولون: « نحن جيلٌ قد شاب شعره قبل أن تنمو لحيته، نحن جيلٌ قد حضر جنازات رفاقه قبل أن يحضر زفافهم ».
بصفتي أحد شباب هذا البلد وأحد الذين عانوا هنا، فإنّي أستشعر معنى تلك الكلمات بشدة، بل وغالباً عندما أقرأها تنتابني القشعريرة، فهي صحيحة مئة بالمئة.
والآن و بلسانِ حالهم يقول الشباب أنهم قومٌ قد عزموا أمرهم، فإما أن ينهضوا بهذا البلد إلى القمة، وإما أن يموتوا دون ذلك، والمجد للشهداء، وسلامٌ لهذا البلد العظيم.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.