العرق دساس

[no-sidebar]


بقلم |عثمان رجب


دخل غريب بلدة ، وهو ينادي:
" أنا سياسي أحلُّ المعضلاتِ و المشاكلَ بين الدول ، بين العشائر ، وبين الشخصيات ،
أنا سياسي ... ".

سمعه الملك و هو جالس في قصره ، فقال لرجاله:
" آتوني بهذا المنادي" ، دخل الرجل و بعد التحية والسّلام، سأله الملك:" أنت سايس؟"، أي قائد الخيل.
قال السياسي: "لا أنا سياسي"، فقال الملك: " لا، أنا سمعت أنَّك سايس، واليوم تمَّ تعيينك عندنا سايساً للخيل، ولي فرسٌ أحبها وأريدك أن تهتمَّ بها".

رد السياسي: "أنا لست سايساً ، أنا سياسي".
قال الملك:" قلت لك إنّك سايس ، و إن لم يكن ذلك أعدمتك"، فما كان من الرجل إلا الامتثال لأمر الملك خوفاً من الإعدام.
فتسلم الفرس من السايس السابق، و حذّره قائلا : "هذه الفرس أعزُ على الملك من روحه ، احذر أن تخبره بعيوبها و إلا أعدمك".
التفت السايس إلى الملك قائلا:" مولانا أما تعفيني؟".

قال الملك: "لن أعفيك أبداً قد عينتك سايساً"، فنادى على خدمه قائلاً:" حضّروا للرجل غرفة و فراشاً و أعطوه ثلاث وجبات مرق و أرزّ ليباشرَ مهمته و يسوسَ الفرس".
باشر الرجل عمله و بدأ يسوس الفرس، وبعد عشرين يومٍ هرب خوفاً من الملك ، فأمر الملك بإحضاره، وسأله :"لماذا هربت؟ ربما قد وجدت عيباً في الفرس؟"، قال الرجل:" مولاي.. اعفني"، قال الملك: "أخبرني ماذا وجدت في الفرس و إلا أعدمتك".
فقال الرجل:" إذا أعطيتني الأمان"، قال الملك: "لك الأمان".

قال الرجل: "هذه الفرس أصيلة ، وكل من أخبرك أنَّها رضعت من أمها الأصيلة اسمع ولا تصدق!!".
حمل الملك سيفه لقطع رأس الرجل، وقال له: "كيف تقول عن فرسي أنّها لم ترضع من أمها؟"، أمر خدمه برمي الرجل في السجن ، و أرسل في طلب الوزير الذي أهداه الفرس...

سأله الملك قائلا: "كيف تعطيني هذه الفرسَ ، وهي لم ترضع من أمها الأصيلة؟؟!! ". قال الوزير :" مولاي.. سامحني ، لقد ماتت أمها عند ولادتها ، ولم يكن لدي إلا بقرةٌ واحدةٌ فأرضعتها ".

أمر الملك بإخراج الرجل من السجن ، وقال له : "أخبرني كيف عرفت أنَّ الفرس لم ترضع من أمها؟؟! "، قال الرجل:" الفرس الأصيلة عادة تأكل في معلف أو تعليقة في رقبتها وهي مرفوعةُ الرأس، أما فرسك يا مولاي فإنَّها تبحث عن الطعام على الأرض مثلَ البقر   .
فقال الملك للخدم :"خذوا الرجل أعطوه دجاجاً وأطعموه جيدا".
و أمره هذه المرة أن يسوسَ زوجته الملكة، وقال:" سوف ألحقك بخدمتها "، توسّل الرجل: "مولانا.. اعفني.. جزاك الله خيراً ".
قال الملك: "عليك تنفيذُ أوامرنا ".

ذهب أحد الخدم للملكة يخبرها أنّ خادماً جديداً سيأتي، وسيكون نديماً لها ومستشاراً بأمر الملك، ولتطلبَ منه قضاء حاجاتِها.
ثم بعد فترة من الزمن ، قال له: "قل ماذا وجدت؟ "، فتوسّل الرجلُ ليعفيه من ذلك، لكنَّ الملك أصرَّ  أن يعرفَ ماذا وجد في الملكة، و أعطاه الأمان.
قال الرجل: "إنّها تربية ملوك ، وشرف ملوك ، و أخلاق ملوك ، و كرم ملوك ، لكنْ من قال لك أنّها بنت ملوك اسمع و لا تصدق! ".

جن جنون الملك ، وقال له:" كيف تقول عن زوجتي أنّها ليست بنتَ ملوك؟!"، و أمر بسجنه و قطعِ  الطعام عنه.
و ذهب إلى أم الملكة وأبوها -وهو ملك البلدة مجاورة- و شهر سيفه عليهم ليعرفَ قصة زوجته.

فقصّوا عليه قصة البنت: "كانت ابنتنا لك ، و أنت لها ، وهذا كان اتفاقًا بيني و بين أبيك الملك منذ كان عمرها سنتين ، وكان أبوك ملكاً ظالماً، لكن أصيبت ابنتنا بالحصبة و ماتت ، و في هذا الوقت أمرنا أبوك بإجلاء الغجر عن المنطقة فطردناهم وحرقنا بيوتهم ، وخرجت لأرى ما حلّ بهم ، فوجدت هذه الطفلة عمرها عامين لوحدها قرب الوتد ، فأخذتها وربيتها ".

رجع الملك لبلدته و أمر بجلب الرجل من سجنه ، و سأله :"كيف عرفت بسر زوجتي؟ ".
قال الرجل: "مولاي إنَّ لها غمزةً بعينها ، و هي من عادات الغجر يتغامزون عندما يتكلمون!! ".

فقال الملك :"هذا الرجل داهية! أطعموه خروفاً في الصباح ، و آخر عند الغداء ، وثالثاً عند العشاء ، و تجلس هنا تسوسني!! ".
هنا اضطربت فرائص السايس ، و احتار كيف يخلص من هذا المأزق و حاول و توسّل ، لكن لا فائدة ، فالملك مصرٌّ أن يقومَ الرجلُ بمهمته الجديدة ...  هرب الرجل من ليلته فجلبه و سأله عمَّا عرفه عنه!!
قال السايس بعد الأمان له: " من قال لك إنّك ابن ملك؟، وقال له اذهب و ابحث عن أصلك ".

فذهب الملك إلى أمه، وقال لها: "أنا ابن من؟؟"، و أصرّ عليها و استحلفها.
فقالت له أمه :" كان أبوك ملكاً ظالماً ولا ينجب ، يتزوج البنت و بعد تسعة أشهر إن لم تلد يذبحها، وعلى هذا المنوال قضى على نصف بنات البلدة ، حتى وصل الأمر إليَّ ، ماذا أفعل إما الولد أو الذبح ؟.. وكان في القصر طباخ ، فأنت ابنه!! ".
أتى الملك إلى السياسي وسأله: "كيف عرفتني؟؟ ".

قال له: "معروف أنَّ الملوكَ تهب وتعطي ذهباً وفضةً ،أما أنت تعطي مرقاً و أرزاً و لحماً و دجاجاً !!، الذي يرافق الطباخ ماذا ينال منه؟؟!، عندما يرضى عليك يعطيك طعاماً، وعندما يغضب يقطع عنك الطعام".

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.