همم أهل العلم ..

بقلم | بنان بكور



لمَّا كان العلمُ أشرفَ النِّعم ، وأعلى المراتب والمنازل ، ولمَّا كان ميراثَ الأنبياء ، وكان الطريق الموصل إلى الجنَّة فلا بدَّ أن يكون تحصيله بمجهودٍ عظيم وتضحية ثمينة ، كيف لا والمكارمُ منوطةٌ بالمكاره والسَّعادة لا تُنال إلا على جسر من التَّعب .
وقد قال تعالى :
(قال له موسى هل أتَّبعك على أن تعلِّمني مما عُلِّمت رُشداً ¤ قال إنَّك لن تستطيع معي صبراً ¤ وكيف تصبر على مالم تُحِط به خبراً)

فالأية دالَّةٌ على أنَّ طلب العلم  يستلزم الصَّبر والتَّحمُّل وصحبةَ العلماء .
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قوله : 
[ألا إنَّ سلعة الله غالية ، ألا إنَّ سلعة الله الجنَّة] .
والحديث عن سير العلماء في صبرهم وتحمُّلهم المشاقَّ في طلب العلم يطول كثيراً إلا أنَّني  سأسرد منها ما يفي بالغرض لنستقي العبرة ونجعلهم قدوةً لنا وسلوةً وحافزاً على الاجتهاد والبذل .
وفي ذلك يقول الإمام أبو حنيفة النُّعمان رحمه الله :
الحديثُ عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ من كثيرٍ من الفقه ، لأنَّها آداب القوم وأخلاقهم.

 و ذكر ابن كثير في (البداية والنِّهاية ) :
[وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه ، فيُوقد السِّراج ويكتب الفائدة تمرُّ بخاطره ، ثمَّ يُطفئ سراجه ، ثمَّ يقوم مرَّة أخرى وأخرى ، حتى كان يتعدَّد منه ذلك قريباً من عشرين مرَّة ) (14/528)

وقال الإمام البخاري :
(صنَّفتُ كتابي الصَّحيح لستِّ عشرة سنة خرَّجته من ستمائة ألف حديث وجعلتُه حجَّةً بيني وبين الله تعالى) .
انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/14)

وذكر الخطيب البغداديُّ في كتابه (الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع) :
قال سعيد بن المسيِّب رحمه الله :
(إن كنتُ لأغيبُ الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد ) .
(2/226)
من كتاب : حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني  .

قال ابن شهاب الزُّهري :
(مكثتُ خمساً وأربعين سنة أختلف بين الشَّام والحجاز فما وجدتُ حديثاً أستطرفه)
فكان رحمه الله لا يبالي بما يقطع من الأميال والفراسخ طلباً للعلم .

 وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله :
إلى متى تستمر في طلب العلم ؟
قال : (مع المحبرة إلى المقبرة)

وقد أفضى بمالك بن أنس طلب العلم إلى أن نقضَ سقفَ بيته فباع خشبه
انظر تاريخ بغداد /الخطيب البغدادي (2/13) .

وكان داود الطَّائي رحمه الله :
يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز ،  فقيل له في ذلك ، فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية )
 المجالسة وجواهر العلم /ابو بكر الدينوري (1/347)

وقال بن عيينة :
سمعت شعبة يقول :
(من طلب الحديث أفلس ، بعت طست أمي بسبعة دنانير)
سير أعلام النبلاء/الذهبي (7/220)

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : 
(تأمَّلتُ عجباً وهو أنَّ كلَّ شيء نفيسٍ خطيرٍ يطول طريقه ويكثرالتَّعب في تحصيله ، فإنَّ العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتَّعب والسَّهر والتَّكرار ، وهجر اللذات والرَّاحة) .
صيد الخاطر /ابن الجوزي 281

وقد أنشدَ الزمخشري : 

سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي
من وصل غانيةٍ وطيب عناقِ

وتمايلي طرباً لحلِّ عويصةٍ
أشهى وأحلى من مُدامة ساقِ

وصريرُ أقلامي على أوراقها
أحلى من الدَّوكاة والعشَّاقِ

وألذٌّ من نقر الفتاة لدُفِّها
نقري لأُلقي الرملَ عن أوراقي

يا من يحاول بالأماني رُتبتي
كم بين مستفل وآخر راقي

أأبيتُ سهرانَ الدُّجى وتبيته
نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي

فلنتعظ بهذه الهمم العاليه ولنبك على تقصيرنا ودنو همتنا ولنستدرك ما فرط من أمرنا بالجد والعمل ومداومة
الدَّرس والنَّظر فالعلم لا يُنال براحة الجسد  .

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.