انغماسِيو القلم

بقلم | عبير علي حسن


-عشرُ سنتيمترات طُولاً من الورق المقوى، ومثلُها عرضاً، هي البطاقة الجامعية التي تحصل عليها من جامعات المحرر السوري، ذات القيمة المعنوية العُظمى، أكثر من كونها ورقةُ الإثبات أو وثيقة الانتساب للجامعة، والتي كابدنا للحصول عليها وبذلنا ما بذلناه في سبيلها. تحدياتٌ كبيرة منذ البداية وقفت في طريقنا وواجهناها، تمثلت في انعدام الأمن وانتشار الخوف والذعر بسبب القصف الغاشم، وحالات الخطف والاعتقالات التعسفية المُباغتة، والتهجير القسري داخلاً وخارجاً ، والفقر الذي حل في كلِّ عزيز، وغياب الداعم الماديّ عن مجال التعليم. الشيء الوحيد الذي كُنا نملكه فقط هو الأمل! والذي عجز تحالف الكون بأسره علينا، أن ينتشلَه من نفوسنا. الأمل يتحول إلى عمل... وها هو نبأ افتتاح جامعات المحرر قد أطرب قلوبنا و أشبع تطلُّعاتنا، وبعد فترة وجيزة نكون قد دخلنا عامنا الرابع، مع أن شيئاً قط لم يتغير! ، لا القصف، ولا التهجير، ولا الفقر، كلٌّ كما كان، ربما أصبحوا رفاقاً لنا لكنهم حتماً رفاق سوء، ماجعل أصحاب النفوس الضعيفة تنجرُّ خلفهم أو تتذرعُ بهم لتبرير التحاقها بجامعات النظام..لمَ لا ؟! أمنٌ وأمان، واستقرار، وتكاليف ليست بالمرهقة، على حد قول من ذهبوا، وأهم من ذلك، الاعتراف الرسمي بالشهادات الصادرة عنهم، محلياً و دولياً. الصورة تبدو للمتأملين كما لو أنها «جنة ونار» لن أحددَ من هي الجنة و من تكون النار، سأذكُرُ فقط أنَّ الجنة حُفَّتْ بالمكاره، وأنَّ النار محفوفةٌ بالشهوات. ليتهم يدركون أنّ عذاباتنا مأجورة في الدنيا والآخرة، وأنّ الرفاهية التي يعيشونها اليوم ستنقلب عليهم حسرات، وعند الله لا يضيع الأجر ولو كان العمل مثقالَ ذرةٍ من خير ! لكنْ ماذا عن فرضية أننا على صوابٍ محض، و من ذهب ليدرسَ في جامعات النظام على خطأ محض ؟! بالتأكيد هي فرضية محققة الإثبات وبرهانها لا يعتمد على إيماننا وكفرهم، فلا الإيمان ينحصر في قوم ولا الكفر في غيرهم، كل ماهنالك أننا على تبايُنٍ في الإدراك، أرادوا عَرَضَ الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خَلاق، و أردنا الحياة الدنيا والآخرة، اللهم فآتيناهُم حسنةً وقِنا عذاب النار.  المقارنة بيننا تبوءُ بالفشل في كل مرة، مُذ كنا ضِعافاً إلى أن أصبح صدى نجاحاتنا يدوي هنا و هناك، إلى أن أخذت الدول تعترف بشهاداتنا الواحدة تلوَ الأخرى، إلى أن دخلت جامعاتنا التصنيف العالمي للجامعات المتقدمة. المقارنة بين مانفعله كأحرار وأصحاب قضية،ومايفعلونه كعبيد شهادات و أصحاب دنيا، جريمة فادِحة، لم يذُقْ أحدٌ منهم ما ذُقناهُ من قهرٍ وخوف، لم يجربوا الجلوس في قاعات المحاضرات والمفخخات تهدد أمنهم، لم يجربوا تقديمَ امتحاناتهم والطيران يشق السماء من فوقهم، في كل يوم نذهب فيه للجامعة نحن نعرض أنفسنا للخطر، نضع في حساباتنا احتمالية ألا نعود لبيوتنا مجدداً ، لا أحد يمكنه تخيل ما تكِنُه نفوسنا من صدق وطهر، أنّى لهم أن يكونوا مثلنا إذن ؟! نحن على قلب رجل واحد وكأننا متفقون على خدمة الناس، والأهل في مناطقنا المحررة، لا نكترث بالاعتراف ولا بالتصنيف، المهم أننا نحظى بالاعتراف المحلي و شهاداتنا معمولٌ بها لدينا ، فلنفخر بذلك، فلنسعَدْ أننا انغماسيُّو قلم ، وإن أتى اعتراف أو تصنيف متقدم، إنما هو زيادة خير لنا ، نستطيع العيش بها وبدونها ..ذاك أنَّ التصنيف لجهود الطلاب العظيمة و ليس للحجر، و لا للصروح الجامعية، سواء اعترفوا بذلك أم لا! ، فالحجر موجود منذ زمن، لكنه يوماً من الأيام لم يدخل تصنيفاً عالمياً إلى أن جاءهُ جبابرة العلم -نحن- وبكل فخر.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.