سايكس بيكو في داخلنا



بقلم | صلاح بطل

لو أن مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو لم يضعوا الحدود الحالية  لوضعناها نحن، ولا أبالغ عند القول أن الحدود التي سنضعها ألعن من هذه الحدود، بين المدينة والقرية سننصب الحواجز، ونمنع الدخول إلا بجواز سفر.
       والسبب في كل هذا هو أنّ نشأتنا كانت في مجتمع تفشى فيه داءُ العنصرية ، فأضحينا نعشقُ التمييزَ على أساس المنطقة ، نؤمنُ أنّ اللّه منحنا كراماتٍ تُميزنا عن أبناء المناطق الأخرى ، وذلك لجهلنا بمراد الله من خلقه، وكوننا لم ننشأ على الثقافة الإسلامية الصحيحة؛ التي تنادي أنّ الأرض كلها لله يرثها لمن يشاء ، لا تؤمن بالوطنية ولا بالحدود الجغرافية،قال تعالى:
 {يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلقنَاكُم مِّن ذَكَرٍ و أُنثَىٰ وَ جَعلناكُم شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللّٰهِ أَتقاكُم إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبِيرٌ }
الحجرات[13]
لا مكان فيها للتمييز على أساسِ العرق أو اللون أو المنطقة، قال الرسول الكريم :
" لافضل لعربيٍّ على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتّقوى "
       لو أنّنا نشأنا على هذه الثقافة، لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من تفرقٍ وتَشَرذم، و بمعنى أبلغ لما عُدنا كما كنّا أيام الجاهلية قبائل متنازعة متفرقة، عقيدتها أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً .
       لا دخل للغرب بما نحن عليه اليوم، فهم وضعوا لنا أصنام الوطنية و الديمقراطية و العلمانية، و نحن أخذنا بدورنا في الدوران حولها، فكان ما وصلنا إليه من الحروب والفرقة، وما أحوجنا اليوم لهدم هذه الأصنام و الاجتماع على عقيدة التوحيد .
       فالمتنورون يصورون لنا أن العلمانية هي طريق الحداثة والتطور، و أكبر مثال يستشهدون به هو التطور الذي وصلت أوروبا إليه، و كان نتيجة لفصل الدين عن السياسة، و هذه حقيقةٌ لا تخفى على أحد .
       فعندما وجد الأوروبيون أنفسهم تحت رحمة الكنيسة؛ التي ناصرت كل المظالم السياسية الواقعة على الناس، وحاربت العلم وقتلت العلماء، فضلاً عن حصر الدين في العبادة بمعناها الضيق فقط، وفي العلاقة الروحية بالخالق، وهي بالأساس عقيدة منحرفة عبث علماءها بدين اللّهِ و حرفوه وشوهوه .
       كل هذا وذاك دعا إلى ظهور مذهبٍ جديد ينبذ الكنيسة، و ينبذ الدين وينفى وجود الحياة الآخرة، فظهر هذا المذهب بهيئة المنقذ للناس و الملاذ الآمن لهم من بطش الكنيسة وبطش الدين المُحرف، و لاقى القبول نتيجة من النتائج الإيجابية التي وصل إليها ، وقد تستر بهذه النتائج ليخفي وجهه الحقيقي القبيح الذي يشمل كل ما هو شاذ و مخالف للفطرة السليمة.
       و لأن الإسلام يقتضي الانقياد و الإذعان لما جاء من عند الله، و هو الدين السليم الغير قابل للتحريف، الموافق للعقل والفطرة السليمة بتشريعاته، و الذي كان سباقاً إلى تطبيق المنهج التجريبي ونشر العلوم، و لم يقف موقف الكنيسة ضد الحياة والعلم فضلاً عن كونه منهج حياة، فليس هناك جانب من جوانب الحياة أو شيء من نُظمها إلا وللّه تعالى فيه حكم ،هذه الأسباب جعلت من الإسلام العدو الأول و الرئيس للعلمانية.
       فالدولة في الإسلام هي أحد هذه الجوانب، وهي ضرورة لا بدّ منها لتنفيذ الأحكام الشرعية، وصيانة الحقوق، و وصول الدين إلى أهدافه وأغراضه في حفظ الدين والعقول والأعراض والنفوس والمال وغيرها.
       و هذا الكلام يتعارض مع مفهوم العلمانية؛ التي تنادي لفصل الدين عن الدولة، و بالتالي تكون العديد من أحكام القرآن وتشريعاته كالجهاد و القصاص وجباية الزكاة وغيرها من الأحكام مجرد حبر على ورق .
       لذلك ومما سبق نجد أنه يجب علينا كمسلمين العودة إلى هويتنا الإسلامية فهي أسمى هوية لدينا، و هي القاسم المشترك الذي يجمعنا كمسلمين موحدين، و نبذ كل أفكار مجتمعنا البالية من عنصرية وتعصب، سواء للمنطقة أو القومية أو العرق فهي في النهاية لا تخدم إلا أعداء الدين .
       هذان الأمران السابقان إذا التزمنا بهما طبعاً بعد الرجوع إلى اللّه، ستعود أمجاد الإسلام، و سيكون التمكين في الأرض من نصيبنا، و سنحكم مشارق الأرض و مغاربها بكتاب الله وسنة رسوله .

            "ربنا هيء لنا من أمرنا رشدا"


ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.