أهذا ثمن الحرية ! ... رفقاً بهؤلاء

بقلم | عبد الرحمن حلاق


سأكتبُ هذهِ الكلماتِ لعلها تلامسُ أصحابَ الضمائرِ القانطةِ بخندقِ الموتِ.. لعلّ مشاعرهم الميتةَ تستفيقُ على هولِ الصدمةِ...

هنالك أطفالٌ جياعٌ أمعاؤهم خاويةٌ من الطعامِ ، نسوةٌ يفترشنَ الطرقاتِ بحثاً عن مأوىً لأجسادهنّ الطاهرةِ ، و أخرياتٍ يتنقّلنَ ما بينَ السقائفِ الحديديةِ و البناياتِ المهجورةِ للكشفِ عن جحرٍ يقيهنّ من صقيعِ الشتاءِ ، الآلافُ من الفقراءِ تحوّلوا من إنسانٍ إلى بقايا إنسانٍ ، ربما يبدو الموتُ أرحمُ لهم ، بيوتهم تهادت على الأرضِ ، جدرانها المحشوّةُ بالإسمنتِ نخرتها سيولُ الرصاصِ ، سياراتهم مزّقتها الشّظايا الحادة ، خرجوا من تحتِ أكوامِ الأنقاضِ و الدماءُ ترسو محياهم ، وجوههم أنهكها الخوفُ ، و أيديهم شققتها قطعُ الزجاجِ المتناثرة، ما عمّروه في سنينَ يُهدمُ في لحظاتٍ...

أخذتُ بالتمعّنِ مليّاً في المنظر ، كان يستحيلُ عليّ أن أجدَ معانٍ دقيقةٍ لوصفه.. دفعوا ثمنَ حبهم للوطن..

أهذا جزاء الإحسان ؟ 
صراخهم على مرمى آذان القادةِ ، أرواحهم تعتصرُ آلماً ، وصدى نحيبِهم قضمَ شريانَ قلبي...

رجلٌ عجوزٌ عمرهُ يتجاوزُ السبعينَ عاماً يحملُ حقيبةً جرداءَ على ظهرهِ المنهكِ ، تحتوي كسرةَ خبزٍ يابسٍ ، و دلّةً من الماء ذو ملوحةٍ شديدةٍ حصلَ عليهِ من جوفِ الأرضِ ، تارةً يستخدمهُ للوضوء ، و تارةً أخرى يروي به ظمأَ عطشه ، و كيسٌ من التمرِ ذو متانةٍ حادة ، تفاصيله العابسةُ تقطنُ أعلى يسارِ وجههِ ، تجاعيدُ خده تلوحُ حول فمه المزرقّ من التعب ، ضحكتهُ الغليظةُ ، بدأت بالاختفاء ، عيناهُ الحمراوتان ذبلت من البكاءِ ، ثم لم يتبقّى سوى بضعةِ بقعٍ شفّافةٍ من السرور ، حتماً ستزول تدريجياً و ينطفئُ نورها المشعّ...

رفقاً بهؤلاءِ ، فإنّ القدرَ عبثَ بأحوالهم ، بعثرَ حياتهم ، و سرقَ أحلامهم..

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.