"حكاية وطن"



بقلم | شيماء رضا مسلم                      

  زارنا ضيفٌ  في الصباحِ الباكرِ طرقَ البابِ وألقى السلام ،طلب الإذن  فسمحت له بالدخول، انتابني  شعورٌ بأنِّه إنسانٌ طيبٌ ربما يريد شيئاً من  والدي  لأنَّ والدي كان مديرَ أكبرِ مدرسة في قريتنا   ، جلس على الكرسي وبدأ يتأمل لوحةًعليها صورة القدس  على جدار  الغرفة ، وفجأة التفت اليَّ و سألني مااسمك يا ابنتي  ؟ كم عمرك؟هل تدرسين؟ ارتبكت قليلاً ... شعرت بالخوف لكنني لم أفكر كثيراً وقلتُ له اسمي وطن ،وأنا  في التاسعةعشرة  من عمري، وأدرس اللغة الفرنسية في جامعة بيروتَ، شعرت بحزن يملأ قلبه لكنّه لم ينطق بأيِّ كلمةٍ، بل اكتفى بالصمت وعاد ينظر إلى اللوحة مجدداً، استجمعت قوتي وسألته من أنت يا عم ؟!لم تخبرني ماذا تريد؟ نظر إليَّ بعينان ملأَهما الحزن وإبتسامةٍ خفيفةٍ على وجهه وقال :أنا صديقُ والدك هل والدكِ موجود؟أم عليَّ انتظاره؟، لم أهتم كثيراً للموضوع ولم أفهم ما الذي جعله حزيناً  ،ذهبت وأخبرت  والدي بقدومه، وبعد أن دخل والدي إلى الغرفة سمعت صوتَ بكاءٍ يخرج منها ياإلهي ماذا يجري ؟!هذا صوتُ أبي ركضتُ دون وعي وفتحت البابَ فوجدتهم يبكون ،نظرتُ إليهما باستغراب قال أبي والدموع تسيل على خديه وتبلل لحيته  :هل تعلمين من هذا يا وطن؟ أجبت باضطراب لا يا أبي، شعرت أنهم يعرفون بعضهم ولكن لماذا يبكون؟ ،أيقظني صوتُ أبي من شرودي وقال:هذا صديقي ياوطن ،لم أرهُ منذ خمسون عاماً ظننت أنه استشهد، عندما خرجت من فلسطين تركت له رسالةً أخبره عن وجهتي ولم أعرف عنه شيئاً بعدها. نظرت بدهشة وقلت: خمسون سنة؟!!!!  قال الرجل بصوتٍ باكٍ :نعم يا عزيزتي منذ اغتصب الطغاةُ وطننا.جلس  أبي والرجل وبدأ كلّ منهما يخبر صاحبه عما حصل معه في تلك السنوات الطويلة وجلست أنا  استمع إلى حديثهم و أراقب عيونَهم المملوءة بالسعادةِ الممزوجةِ بالحزنِ،
وبعد سماعي لمعظم حديثهم اكتشفت أنَّهما كاناأصدقاء في المدرسة لكن والدي سافر مع عائلته ولم يتمكن من وداعه لكنه ترك  رسالةً يخبره فيها بأنَّه سيترك فلسطينَ ويذهب  إلى بيروتَ، لكن الرجل لم يستلم الرسالة وبقي يبحث عن والدي كل تلك السنوات!!!شعرت بشعور غريب..أُصبتُ بالدهشة!
يا إلهي من أين هذا الرجل؟ هل جاء من عالمٍ آخر؟أمازال مثل هؤلاء موجودين حتى الآن ؟كنت أظن أنَّهم تحولوا إلى اسطورة. تعجبت من وفاءه تعجبت من طيب  قلبه!! أحسست أن الدنيا مازالت بخير، وعلمت يقيناً لماذا فلسطين موجودة حتى الآن، علمت لماذا اسمي وطن، إذا كان الإخلاص للصداقة بهذا الحجم فما بالنا بالإخلاص للوطن!! ما أعظمك يا وطني حين أنجبتَ هؤلاء! أنت 
الجمالُ الرائعُ المزروعُ في قلوبهم ،أبناؤك  يشبهونَ الملائكة بنقائهم،اطمئن  لن تموت  قضيتك وهؤلاء يحملون رايتها وإنْ كانت الجولة الآن  للباطل فللحقِ جولات لاحقة.                                     


ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.