العاطفة بين الهدم والبناء

بقلم | عبد الرحمن شريف



لا يخفى علينا اليوم أنّ الإنسان بحاجة إلى إدارة زكية لمشاعره، وتحكم ناجح بها، لإدارتها واستعمالها في اتجاهها السليم.
وهذا ما يصبُّ في مفهوم الذكاء العاطفي، والذي يقصد به قدرة الإنسان على التعامل  مع عواطفه بشكل إيجابي، بحيث يحقق أكبر  قدر ممكن من السعادة لنفسه، ولمن حوله بانتقاء العواطف الأفضل التي تتناسب مع المواقف التي يتعرض لها.
فالإنسان عاطفيٌ بالفطرة، ولطالما كانت العاطفة سلاحاً ذا حدين، إن اقترنت بالتفكير كانت من أبواب النجاح والسعادة، وإن غاب عنها خلفت لصاحبها مشكلات كبيرة في كل المجالات.
نرى فشل الكثير من العلاقات القائمة بين الأشخاص نتيجة فقدان القدرة على التعبير عن العواطف بالطريقة والتوقيت المناسبين، وعدم استيعاب مشاعر الطرفين لبعضهما البعض.
وقد أوصلت العاطفة صاحبها لأخطر من ذلك بكثير، فالعاطفة هي نقطةُ ضعفٍ عند صاحبها، إن لم يحسن التحكم بها، سيستغلها الكثير من أصحاب المشاريع المبهمة والخبيثة، عبر ايحاءات تسيطر على عواطف الضحية، و تؤدي بالأشخاص إلى متاهات لا مناصَ من الخروج منها بسلام .
وغياب الذكاء العاطفي يجرُّ الإنسان إلى مشكلات كثيرة، من انخفاض مستوى التفكير والمحاكمة العقلية، بل وهزّ ثقة الشخص بنفسه ،علاوةً على الإخفاق في الكثير من النشاطات والأعمال، وفقدان الآليات الصحيحة لإدارة المشاكل والأزمات.
ويأتي الذكاء العاطفي بركنه الأساسي؛ وهو التحكم بالعواطف وربطها مع العقل وصبغها بالعقلانية .
يعتقد البعض أن أساس النجاح الاجتماعي هو الذكاء العاطفي، لأنه يتيح للشخص أن يعرف نفسه معرفة تامة، والتعبير عن عواطفه بما يناسب الحالة الموجود فيها، متعاملاً مع نفسه ومع مجتمعه بالطرق الأفضل والأسلم، ويغدو قادراً على الاستمرار في علاقاته، أو إقامة علاقات اجتماعية جديدة سليمة من هواجس التوتر، وعدم الانسجام بين الأطراف وهادفة للديمومة والاستمرار .
 فمن أهم الصفات التي يتمتع بها من يمتلكون مستوى عالي من الذكاء العاطفي؛ هي قدرتهم على مواجهة المشاعر بدقة، والقدرة على التعبير عن مشاعرهم بدون السماح لأحد باستغلالها.
فهم ميالون بالاستقلالية في التفكير والرأي، وقادرين بالوقت ذاته من وضع أنفسهم مكان الأشخاص الذين هم أمامهم وتفهم عواطفهم، مما يزيد من حبّ الناس والإعجاب بهم .
ولكي يتمتع الإنسان بالذكاء العاطفي، يجب توافر عدة أبواب أهمها الوعي الذاتي للشخص بما لديه، وبما يملكه الآخرون من مشاعر، ومدى تأثيرها على حياته وتصرفاته، ليتمكن من التحكم الذاتي بها، فينظمها ويجعل منها قادرة على التأثير بالآخرين.
والذي يدفع الشخص لامتلاك كل تلك المهارات، هي دوافعه الشخصية التي تُبنى على شغفه بتلبية كلّ حاجاته الداخلية وأهدافه.
يمكن القول أنّ الذكاء العاطفي هو مهارة تتطلب بذل التجارب، والمتابعة عليها لإتقانها وتنميتها، بعد مراعاة سبل تدعيمها.
وليس من الممكن لهذه المهارة أن تتطور من دون التمتع بالمصداقية الغير جارحة، بالإضافة إلى التكيف مع البيئة المحيطة، والاستفادة من جميع التجارب السابقة، سواء الناجحة منها للثبات على سبب نجاحها، وأيضاً التجارب الفاشلة، لتحديد نقاط الفشل ثم اجتيازها في تجارب لاحقة .
يحافظ الذكي عاطفياً على نفسه من الوقوع  بين براثن الايحاءات المستغلة للعواطف، والهادفة لإيقاعه في مشكلات هو بغنى عن الوقوع بها، بل ويكفل لذاته النجاح في الأعمال والصفقات، علاوةً على  نجاحه في العلاقات بكل أنواعها، لما له من شخصية محبوبة و روح يثق بها الأخرون .
العقل زينة للإنسان - كما يقولون-  لكن تلكم الزينة لا طعم لها ولا عبرة بدون عاطفة تلون كل  تفاصيل الحياة، وتصبغ عليها صبغة تفاهم وتمازج، صبغة حبّ يدرس كل تشعبات الأمور، حب ذكي هادف للبقاء والبناء لا للزوال والهدم .

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.