الذكرى الثالثة على أبواب الياسمين ...

بقلم | نيرمين خليفة


في بلد الثورة المغتصَبة ، بلد الحرية الممهورة بأغلى الأثمان ، في سوريا الكل جاهز في الأربعِ والعشرينَ عمراً من اليوم ليُوَدعَ فلذة كبده أو ثمرة الحلم .

 مراسم العزاء الكثيرة التي حضرتُها على الرغم من صغر سنِّي في هذا البلد ، باتت جُلَّ المناسبات الاجتماعيَّة و الأعراس البهيجة هي مواكب زفاف الشهداء ، فيها نبكي ونزغرد ، فيها تزف الزَّوجاتُ أزواجهنَّ إلى الجنان ، وتٌحَّمل الأمهات رسائل الشَّوق للأقمار التي أفِلت قبل الأوان .

 في هذا الموقف المَهيبِ غالباً ما كنتُ أستند إلى السُوَرِ القرآنية القليلة التي أحفظها لأرميها بين هدنتين من الصَّمت على قلوب الأهل المكلومة ، عساها تُرطِّب الفؤاد الغارق في مساحات الذِّكرى الشَّاهقة فتنتشله وتحييه .

كنتُ أقف في حضرة هذه الأية متمعِّنةً فيها أستحضر أشعة الحياة الهاربة من بين أضلعنا إليها :
 "ولا تقولوا لمن يُقتلُ في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون"

أُسلَّي روحي النازفة فقداً وشوقاً ، ويشغلني التَّساؤل عنها في ذات الوقت !
هل المقصود أنَّ شهداءنا في مكانٍ علويٍّ أحياء كما نحن ، أم أنَّهم لم يموتوا كما الموت الذي يصيب كل البشر ، هل ارتقوا إلى حياة أخرى ؟
أم المراد أنهم أحياء في قلوب وأرواح أحبتهم ، أم أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد حفظ ذكرهم ليبقوا
أحياءً في نفوس كل من عرفهم نبراساً يُتهدى به.

ولكن كيف والإنسان قد فُطر على النِّسيان؟
 أليست اللغة هي سرُّ تخليد أمجاد الشهداء والقدوات ،  شهدت أرواحهم بثباتهم على الحق ، أليس أقلَّ القليل أن نشهد بمداد أقلامنا أنَّهم حملوا الرِّسالة وأدُّوا الأمانة وهي الآن في أعناقنا .

أليس حقاً عليَّ في ذكرى تحرير الملاذ الأخير للثورة في سوريا أن أُخلِّد ذكرى استشهاد بطلي !
في الذِّكرى الثَّالثة لارتقاء البطل حسن الخليفة على أبواب ياسمينك يا إدلب ، ذكريات لكثر مثلي يُجافيهنَّ الغمض في انتظار نشوة نصرٍ لا تشوبها متاهات الفقد .

في الذِّكرى الثَّالثة على أبواب الياسمين أحبَّة ينتظرون حسن ومحمد وأحمد ليُحملوا على الأكتاف هتافاً لنصر الحرية لا جثامين ليواروها التراب !

 قلوبٌ تحرَّرت من غلالة الانتظار تحملق فوق مقابر الأحبة والغرباء لعلها تسقي ياسمينها الصَّادي بعبق دعوة ، وعلى9 أبوابك يا ثورتي في الذِّكرى الثَّالثة و الرَّابعة والعاشرة والمئة سأكتب عن شهدائك وسأخلِّد ذكرهم كما خلَّد الله ذكرهم في اللَّوح المحفوظ ، سأروي ببطولتهم صفحات المجد العطشى ، وسأبيِّض تاريخ التَّاريخ الكاذب بأصدق ما قدَّمه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

أليس من حقِّ الأبناء أن يعرفوا كيف رسم بطلي خارطة الكفاح وكيف بنى قاعدة الثورة ، أليس من حقِّ الأجيال علينا ألا ننسى وألا ينسوا هم ، أليس واجباً علينا أن نُرَضِّعهم مع الحليب كره عدوِّهم ونزقة الثَّأر للدِّين والعرض والعروبة ، أن نحفر في جدران المغارات بطولات شباب بنوا للكرامة صروحاً مقدسة.

 في ذكرى تحرير مدينة التِّين والزَّيتون المباركتان وجب عليَّ ألا أَذرف الدموع على فراقك وألا أُشيح وجهي عن سفح الوادي الذي ترقد فيه ، بل سأكتب على كل الجدران الزِّرقاء والحمراء وغيرها من الألوان عنك ، سوف أروي لهم كيف تركت سيارتك الفارهة وفراشك الوثير ورقدتَ بين صخور جبلنا الأشمِّ فكنت كمصعب بن عمير عطاءً ، سأقصُّ عليهم لقاءك السِّرِّي مع ضُباط الجيش ورسمك خطط الانشقاق وكيف نجوت مرَّات عدَّة من محاولات الغدر التي حاكها أبناء جلدتك ، وسأذكر لهم قصِّة شيخ كبير ابيضَّت عيناه حزناً وكمداً على كل رفاق دربك الشُّهداء بل على كل من فقد البوصلة فيما بعد .

 كم عصيت قلبك فلم تجب استغاثة البنات السِّتِّ وأنت تفارقهن في ليالي الشِّتاء الطَّويل ، لتجبر كسر القلب بسيرة تشرأبُّ لها الأعناق .

سيكتب القلم بعجزٍ عن حال الأيتام الذين كنت تؤويهم في بيتك وتقول : هؤلاء هم البركة ، سأرافق صورك بين التِّلال وأنت تنجو من موت محقَّق بعد أن دهست دبابة ثلاثة من رفاقك في المعركة المصيرية ، خالك الجميع ارتقيت إلى ذاك العالم العلوي الذي كنت تروم ، فتعود من الموت المؤجَّل لنعيش الفرح المؤقَّت بلقيا لم تطل .

 على إشراقة دِماك استطاع والدك الشَّيخ أن يستنقذ  سيارتك المتفحمة من بين الصُّخور الشَّاهدة على الملحمة حيث فقدناك ليومين كاملين لتنقذ صحابك الغرباء من التِّيه في المجهول ليضيعوا فيما بعد بين أمواج المشاريع المتلاطمة ، ترقد سيارتك الآن في معرض البطولة بجانب أشجار السرو الشِّامخة التي تركتها صغيرةً يتيمةً تحاول أن ترد عنك مناظير العدوِّ المترصِّدة .

لسنا في زمن الصَّحابة والتَّابعين ولا عقبة أو صلاح الدين ، لكن دون أدنى شكٍّ أنتم رجال الأمَّة في زمن يشتكي رجالَه ، وأمَّةٍ تبكي رجولتها الثَّكلى ، أنتم الأحرار في زمن السِّادة العبيد ، الأولياء الصَّادقون والأوفياء البررة .

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.