( شهداء الجوع...مأساة الغوطة الشرقية )



بقلم | لبابة حليمة

من أرض الفسطاط العظيمة يتلوى أحدهم جوعاً ، من الغوطة الكريمة يئن آخرُ ألماً ، من تلك البقعة المباركة يصرخ صغيرهم:
" كذبتم ، الكل يموت من الجوع ".
المؤسف أنه صدق ، ففي غوطتنا المكروبة، بل الأصح المخذولة منا كإخوة لها بالإسلام والمعتقد والمطالب يموتون هناك جوعاً و كمداً و تعباً و خذلاناً ، تترنح غوطتنا و تحتضر أمام مرأى الجميع من مجتمعات تَدّعي الإسلام إلى أخرى تدعي الإنسانية.
يغضون أبصارهم عن الغوطة المكلومة، و كأنها لم تكن موجودة بهذا العالم التعس، ليسطّروا بتخاذلهم ذاك جرحاً غائراً في جبين الإنسانية جمعاء، و ما ضرَّ غوطتنا ذلك، بل سكينُ بنو جلدتنا أشد وطأة على النفس و أكثر ألماً و أفدح مصابا.ً
يالعارنا وَ خُزينا أمام أبناء الغوطة و أهلها، و في ضوء كل هذا، يرتقب المتسلقون، المرجفون، المخذلون في أوكارهم بصمتٍ مخزٍ، ينتظرون سقوطها حتى ترتاح ضمائرهم الميتة، يتمنون أن تكون غوطتنا جاثية كنفوسهم التي أَلِفت العبودية، فإذما أصاب ( الغوطة ) مكروه خرجوا ينتحبون و يبكون و يلطمون، أشباه الرجال ولا رجال.
وا أسفاه، عبثاً غوطتنا تنادي اليوم "وامعتصماه"، لقد مات المعتصم من النفوس ودفن في إحدى مقابرها المشرفة، جُعلت أشلاؤه تحت أنقاض مبانيها العظيمة، وغُيب صوته حينما علت قرقرة بُطُون أطفالها الخاوية.
من لغوطتنا اليوم ؟ من لأهلها وأطفالها وشيبها و شبابها ؟
الفعل أبلغ منطقاً من كلماتٍ لا تسمن و لا تغني من جوع، والعمل أفضل حالاً من شعاراتٍ جوفاء ووقفات احتجاجية، لكِ الله غوطتي وثلةٌ قليلة من المخلصين الذين ما زالوا على العهد، لن يدخروا جُهداً في إنقاذكِ، ألم يكن مصابكِ مصاب النبي وصحبه رضوان الله عليهم أجمعين في شعب أبي طالب!
فرجٌ قريب والله المستعان ، ذَبُلت الأجساد وجفت الأكباد وقرقرت البطون وظمئت الأجواف، شيوخ يئنون وأطفال يصرخون ومرضى يتوجعون ورجال حائرون، وحبيب الله عليه أفضل الصلاة والسلام ينظر إلى حالهم ويتفقدهم ويعينهم في قضاء حوائجهم، في حصارهم الذي فرضه عليهم استكبار قوم على الحق، ورفضهم الإقرار به رغم وضوح بطلان ماعاكسه، لكنها النفس البشرية التي فطرت على التعنت والعناد، حتى لو كان الضحية أطفالاً وشيوخاً ونساء.
شُلَّت يد من كتب الصحيفة التي تقتضي بالتجويع والحرمان بفعل دعاء المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم...
فلتُشل يد كل من ساهم بتجويع أطفال غوطتنا وأهلها...
فلتُشل أيدي مجتمعات دولية تتشدق بالديموقراطية وتتغنى بالحريات الشعبية، وهي غارقة حتى رأسها بدماء أطفال شامنا ونساءها..
فلتُشل أيدي كلُّ من لجأَ إلى أضعف الإيمان، وكان بمستطاعه أن يفعل أكثر..
فلتُشل أيدي أدعياء الدين وتجار الدماء..
فلتُشل أيادي كل من أراد لأهلنا السوء، ولتبتر أيدينا إن وقفنا صامتين لا تُحرِّكنا أدمع الجائعين، ولاصيحات المقهورين، ولا نداء البائسين.
كم من ( سَحرٍ ) في غوطتنا ينهال التراب على جسدها النحيل، ويمزق الجوع أطرافها التي لم تكتمل بعد، ويشق الألم في جسمها دروباً لا ترحم.
( سحر ) مثال الطفولة المذبوحة بأيدي الظالمين المجرمين، (سحر ) التي فارقت الدنيا قبل أن تعرفها، لم يكن ذنبها سوى أنها ولدت بخير المدائن، وكم من أمهات "سحر" ( عظم الله أجرها و ألهمها الصبر والسلوان ) تتلظى أفئدتهن برؤية أبناء أرحامهن، وأجزاء أرواحهم يألمون ويتألمون بسياط جوع لا يرحم، وهم عاجزون عن فعل شيء..
أي عذاب أشقُّ على الأم من موت ولدها قرة عينها أمامها، وهي عاجزة ضعيفة لا تملك سوى صرخات مكتومة، وآهات حبيسة، يملؤها التوسل والاستغاثة لرب الأرباب وصاحب الألباب  .
الجوع يفعل الأفاعيل، ألم يشنق شاب نفسه- لم يتجاوز السابعة عشر من عمره- بفعل الجوع والضعف والخذلان!!.
يخيل إلي أن ذلك الحبل الذي التف على رقبته لم يكن إلا صمتنا وسكوتنا عن الحق، ونسيان أهل لنا في الجنوب يقاسون مايقاسون..
يخيل إلي أن آخر أنفاسه لعنة ستحط علينا إلى يوم الدين..
يخيل إلي العجز الذي لحق به، أي شعور إنساني أقسى وأمر من العجز؟!، يرى أهله ورفاق دربه وأصدقاءه والجوع ينهش منهم، و يأكل من أرواحهم، ويقتات على أجسادهم..
العجز هو الذي شنقه وكذب من قال أنه انتحر، بل نُحر على أيدي الطاغوت وجنده و زبانيته ....
( الجوع كافر )
والجائعون مسلمون، مؤمنون، موحدون، لكنه جندي قد سُلط عليهم من الحاقدين، الظالمين..
لن يتركوا شيئاً من أدواتهم التي امتلأت بالدماء، إلا وجعلوه في جسد ثورتنا عسى أن تركع لهم، عبثاً يحاولون.. لا فناء لثورتنا التي أثخنت بالجراح من كل حدب وصوب، من كل عدو وصديق، لكنها تنمو بِنَا وتزداد رسوخاً في نفوسنا، كنبتة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وما عذاباتنا وشقاء أيامنا وفداحة مصابنا إلا سُقيا لثورتنا التي تناطح السحاب، صبراً غوطتي، فالمصائب والنوائب مصانع لصياغة المجد، وجيل التمكين لن يخرج إلا من رحم الفواجع ....

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.