رحلة عبر الأذهان

بقلم | مريم القاسم


هناك كان جالساً فوق صخرة، يتأمل هذه الحياة، ويبحث عن حقيقة أشياء مجهولة…
كان دائماً يجول في رحاب الدنيا، وفي أعماق أفكاره، يبحث ويفتش، وكلما اعتقد أنه وصل إلى أمر مقنع ظهر له طريق متفرع ومتشعب، ولا بدّ له من أن يجوبها كلها حتى يصل إلى نقطة النهاية..
ولكنه يكتشف في كل مرة أنه يدور في متاهة، متاهة توصله إلى حقائق عدة..
هو يحسُّ بأنّ الله معه وقريب منه، ولكنه يريد الاقتراب منه أكثر فأكثر، يريد أن يزيح تلك الغمامة السوداء التي حجبت نور قلبه عن الأبصار، وأن يمسح الغبار الذي غطى جوهرته الثمينة، وأن يوقظ ذاته من غفلتها التي تكاد لا تنتهي..
يتمنى لو أنّ أحداً يمسك بيده ويهزه هزاً قوياً، ليحرك المشاعر والأحاسيس الكامنة بداخله، ويمسح تلك الغشاوة التي لطالما أغشيت عينيه عن أشياء ساطعة كالشمس…
يريد لأحد أن يقول له:
"استيقظ من ثباتك الطويل".…
كان يمشي مثل البرق، ويهب كنسمة باردة خفيفة الظل، ولكن كثرة المتاهات قادته إلى عالم غريب عنه لم يسمع به قبلاً…
أما الآن فالزمن يركض ويسابق الشهب والنيازك، وهو ما يزال جاثياً في مكانه، جعل غيره يدخل إلى عقله الباطن يسرق منه الأفكار التي يحلم هو بتنفيذها، ينفذها وينسبها إليه…  وهو ما يزال عاجزاً عن منع ذاك الذي سرق تلك الأحلام وحوّلها إلى حقيقة…
أجل...وما الغريب في ذلك فنحن نفكر ونُهيئ الفكرة في أذهاننا، ليأتي أحد غيرنا يلمع ويتميز بها دونما تعب…
هذه هي حالة العرب في عصرنا هذا، أما في العصور الماضية كان الرجل العربي سَيّد نفسه، وسيد هواه وفكره التي لايسمح لأحد بسرقتها، لأنه الأحق والأجدر بهذه الفكر...
أجل، لأنه قريب من ربّه وخالقه، إن فعل شيء حتى وإن كان صغيراً حسب زعمنا فهو عنده أكبر الكبائر، مما يحثه على الالتجاء إلى الله وطلب العفو والمغفرة منه…
أما في زماننا هذا، فترى الناس لايستحون من الله أبداً، تراهم يفعلون ما يشاؤون دونما تفكير، يعتقدون بأن هذه الدار هي دار البقاء، فلماذا عليهم إتعاب أنفسهم، وإجهاد مشاعرهم للاشيء حسب زعمهم، والعياذ بالله…
لقد ترك عربنا الغرب يسرقون أحلامهم الجميلة، ويسلبون عقولهم وتفكيرهم، فيزرعون بدلاً من الحب حقداً وغلاً، وبدلاً من التآخي والوحدة، تفرقة لا تزول إلا بإزالة تلك الغشاوة، وذاك الغبار، وتقطيع خيوط العنكبوت التي قيدته…
فعلَ الغرب كل هذا لأنهم يخافون منا، يخافون من كلمة نرددها للابتهال والتضرع إلى الله، وطلب عفوه ومغفرته ورضاه...
يخافون من وحدتنا، من تجمعنا، يخافون كلمة "الله أكبر" التي تزلزل الأرض من تحتهم…
ونحن ماذا فعلنا؟!.
جلُّ ما فعلناه أننا استسلمنا لهوانا ولنزواتنا، وللشيطان الذي يوسوس في آذاننا ويحرضنا على فعل المنكرات، حتى تركناهم يتقدمون علينا…
البعض يقول: "ما حدث قد حدث، وليس بيدنا أن نبدل شيء أو نغيره… ".
فهم أمة فاجرة قوية، ونحن قِلة مستضعفة لا حول لنا ولا قوة...
لماذا كل هذا القول برأيك؟، لماذا!؟
لأننا ابتعدنا عن الله وقرآنه، وسنة نبيه الكريم، أجل لقد ابتعدنا كثيراً، واتبعنا شهواتنا وما ترغب به نفوسنا.
لكن من أراد الله فسيجده، من أراد الله فسيجده.. فهو حيٌّ باقٍ لا يموت، ومن أراد الله حقاً فسوف ينصره الله، ويزرع القوة في قلبه من جديد، ليعود إلى فطرته التي فطره الله عليها، ويصبح سداً منيعاً في وجه ذلك الغريب الذي حاول سرقة أحلامه من قبل...
فمن كان الله معه مَن عليه، ومن كان الله عليه فمن معه!!!.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.