حلقة من تاريخ أمتنا

بقلم | سعيد زيدان


لطالما انبرى عبر التاريخ الطويل لهذه الأمة رجال زادوا عن الأمة الإسلامية منذ تاريخ صدر الإسلام وحتى الخلافة الراشدة وحروب الردة مرورا بالدولة الأموية وفتوحاتها إلى الدولة العباسية وانتشارها ودولة بني أمية في الأندلس ومن قام من بعدهم، كل من مرَّ ذكره كان من العرب إلا أن من قاموا بعدهم لم يكونوا عربا بل كانوا من الترك، والجدير بالذكر أنهم حملوا راية الإسلام سنينا طويلة، حيث إن جميع ملوك وخلفاء هذه الدولة كانوا يحملون همَّ هذه الأمة ونشر الرسالة الإسلامية منذ تأسيسها على يد عثمان بن أرطغرل مرورا بمحمد الفاتح إلى السلطان بيازيد الثاني (الصوفي )حتى قيام الخلافة الإسلامية على يد السلطان البطل سليم الأول، مرحلة ما بعد الخلافة منذ زمن سليمان بن سليم إلى السلطان الأخير فعليا (عبد الحميد الثاني ) إلا أن اللافت للنظر أنه كان من أعظم سلاطين هذه المملكة وأبرزهم وأقواهم بعد إعلان الخلافة، أما عن نسبه فهو :( السلطان سليم الأول القاطع ، بن بيازيد الثاني الصوفي ، بن محمد الثاني الفاتح ، بن مراد الثاني الكبير، بن محمد الأول جلبي، بن بيازيد الأول الصاعقة ، بن مراد الأول الشهيد، بن أورخان بيك الغازي ، بن عثمان المؤسس، بن أرطغرل ).
ولعل هناك عدة أسباب لكون تصنيف السلطان سليم الأول كواحد من أفضل خلفاء بني عثمان:
أولها أنه أول خلفاء الدولة العثمانية، وقع على عاتقه توطيد أركان الأمة الإسلامية المترامية الأطراف وأنه حامي قبر نبي المسلمين وسيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندما سعى البرتغاليون الصليبيون إلى نبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بالتعاون مع الصفويين وذلك عن طريق تنسيق إسماعيل الصفوي مع الجنرال البرتغالي (الفونسو دي البواريك ) لنبش ضريحه الشريف وإرساله إلى لشبونة لمفاوضة المسلمين على القدس التي استردها منهم البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي، وقد استطاع هذا الرجل حماية القبر وإحباط محاولة كادت أن تصيب المسلمين في مقتل .
اما عن ثاني الاسباب: كان ذو شخصية فريدة، حيث استطاع إرهاب أعداء الدولة من الصليبين وغيرهم ممن يحاول إثارة القلاقل داخل حرم السلطنة وذلك عن طريق حزمه ورباطة جأشه وسرعة بديهته وذكائه الخارق وقراراته المرتبطة بالفعل دائما حتى بلغ أعداءه مبلغ الخوف من اسمه، حتى أن الغرب سموه سليم العابس the grim و أطلق عليه العرب سليم القاطع، و أطلق عليه الترك ياووز، و أطلق عليه الفرنسيون سليم الرهيب.

أما عن ثالث الأسباب فهو قتاله للصفويين في ذلك الوقت الذي كانوا فيه سكينا في ظهر الأمة الإسلامية، و يكفي ما قام به إسماعيل الصفوي من مذابح بحق المسلمين السنة في إطار نشر رسالته الشيعية، و أما عن السبب الرئيسي لحرب الصفويين فهو تنسيق الصفويين مع البرتغاليين لسرقة قبر الرسول صلى الله عليه و سلم و تمادي إسماعيل الصفوي و احتلاله لبعض المناطق الواقعة تحت سلطة الخلافة العثمانية، وفي ما يلي نص مترجم لرسالة بعثها السلطان سليم لإسماعيل الصفوي يقول فيها:
(أنا زعيم وسلطان آل عثمان، أنا سيد فرسان هذا الزمان، أنا الجامع بين الشجاعة وبأس أفري دوت الحائز لعز الإسكندر المتصف بعدل كسرى، أنا كاسر الأصنام ومبيد أعداء الإسلام، أنا خوف الظالمين وفزع الجبارين المتكبرين، أنا الملك الذي تذل عنده الملوك المتصفون بالكبر والجبروت، وتتحكم لدى قوتي سوارج العزة والعظموت، أنا الملك الهمام السلطان سليم خان ابن السلطان الأعظم بيازيد خان ، اتنازل بتوجيه إليك أيها الأمير إسماعيل،  يا زعيم الجنود الفارسية، فإن علماءنا ورجال القانون لدينا قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل بصفتك مرتدا عن الإسلام وأوجبوا على كل مسلم حقيقي أن يدافع عن دينه وأن يحطم هراتقة شخصك أنت وأتباعك البلهاء، ولكن قبل ان تبدأ الحرب معكم فإننا ندعوكم إلى حظيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا وزيادة على ذلك، يجب عليك أن تتخلى عن الأقاليم التي اغتصبتها منا اغتصابا، ونحن حينئذ على استعداد لتأمين سلامتك.).من كتاب مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ.
ورابع الأسباب: أن الأمير كان مرهف الحس شاعرا من الطراز الرفيع، فقد ذكر الدكتور علي محمد الصلابي في كتابه (الدولة العثمانية):
"وكان رحمه الله عالما فاضلا ذكيا حسن الطبع بعيد الغور صاحب رأي وحزم وتدبير دائم التفكير في أحوال الرعية والمملكة، كتب على رخام في مصر حين نزل فيها:
الملك لله من يظفر بنيل غنى ...........يردده قصرا ويضمن عنده الدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ...........فوق التراب لكان الأمر مشتركا.
وقد لقب السلطان سليم نفسه بعدة ألقاب كان لها تأثير كبير في نفوس أعدائه: هو سلطان البريين، وخاقان البحرين، وكاسر الجيشين، أمير المؤمنين، وخادم الحرمين الشريفين (مئة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ /لجهاد الترباني.
وبعد تسعة سنين من الجهاد والكفاح من الجهاد والكفاح على ظهر جواده أصيب السلطان سليم الأول بمرض في جلده قيل إنه سرطان الجلد بسبب تنقله تحت أشعة الشمس الحارقة من مكان إلى آخر وعدم استجابته لأوامر أطبائه في التزام بيته ريثما يشفى، وقد تسبب ذلك في وفاته في التاسع من شوال عام 926 هجري الموافق ل 22/ ايلول /1520 للميلاد.
والجميل في حياة السلطان أنه قبل وفاته كانت قد وصلت الدولة العثمانية ذروة الثراء، فامتلأت خزانتها بالكامل، فأغلق الخزنة بخاتمه الخاص وقال: "إن أتى أحد من بعدي استطاع أن يملأ الخزينة أكثر مني فليغلقها بخاتمه "
فبقيت الخزنة تغلق بختمه حتى سقوط الخلافة العثمانية.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.