عندما يباع الشرف بالمال .. قصة رهف


بقلم | أحمد حلاق



تعيش رهف الثلاثينة العمر مع زوجها و طفلها في بيت متواضع كانوا قد استأجروه منذ أشهر ، و قد قارب انتهاء صك الإيجار و عليهم تسديد الأجر سلفاً لمدة محددة . و هنا تكمن المشكلة ، فالعائلة لا تملك نقوداً كافية ، فرهف تعمل كمدرّسة إضافةً إلى أنها تعطي دروساً خصوصية في المساء ؛ و زوجها موظف في إحدى دوائر الدولة يتقاضى راتبا لا يكفيه سوى الثلث الأول من الشهر. فكيف لهذين الزوجين بتسديد ما يترب عليهما من أجل البيت و هما يستعينان على مدخوليهما الذين بالكاد يكفيان الأسرة مصاريفها اليومية .

    يبدي الزوج تذمراً لذلك و تقف رهف مواسية له ، وهي التي تتجرع مرارة المعاناة من كأس الفقر. وذات يوم ، بعدما انتهت رهف من درس إحدى طالباتها ، خرجت تغدو إلى البيت . وقفت الشابة في الشارع تحاول المساومة على سيارة أجرة تقلها إلى بيتها الذي يبعد مسافة نصف ساعة بأقل تكلفة.

     وقف سائق ذو ثياب رثة أمامها و أومأ لها بالركوب ، وفي الطريق اشتعلت في رأس السائق أفكار خبيثة لم تكن تدري رهف المسكينة أنها ستكون ضحيتها . انعطف الرجل في طريق فرعي بحجة أنه يريد إصلاح شيء في السيارة ...بدأ القلق يتسلل إلى قلب رهف لكنها لم تجد سوى الانتظار سبيلا للوصول إلى بيتها بأمان .

      نزل الرجل و راح يحيك مكيدته النذلة ضد رهف و تظاهر أنه يتفقد المحرك ، ثم أجرى مكالمة هاتفية ليطلب خبيرا بصيانة السيارات ... لكن المكالمة انقطعت بحجة نفاد الرصيد . نظر إلى رهف متصنعاً بعض التذمر و طلب هاتفها لكي يكمل المكالمة ، لكن ذلك كان جزءاً من خطته . استدار أمام السيارة و فتح غطاء المحرك ، ثم أشار إلى رهف أن تنزل وتعطيه قنينة ماء بلاستيكية كانت موضوعة في الخزانة الخلفية للسيارة (الطبون) لتبريد المحرك . نزلت رهف و حشرت رأسها داخل الخزانة تبحث عن القنينة ثم رفعت رأسها لتخبر الرجل أنها لم تجد شيئاً لكنها فوجئت باختفائه ، و على حين غرة انقض الرجل من خلفها و أمسكها بقوة يحاول أن يضعها في خزانة السيارة و قد نجح بفعل ذلك و لم تجد صرخات رهف سامعاً في ذلك الشارع الخالي .

      انطلق المجرم بسرعة إلى أن وصل إلى بيت قديم مبني في بستانٍ ناءٍ . أخذ برأس رهف بعنف و أدخلها الغرفة و راودها عن نفسها ... بدأت المسكينة ترتجف لكنها فكرت بطريقة تخلصها مما حل بها ... فمسحت دموعها و رسمت ابتسامة كاذبة على شفتيها و قالت للرجل ما رأيك أن تمهلني بعض الوقت حتى أتزين لك بينما  تذهب أنت إلى السوق فتحضر لنا شيئاً نأكله .

    هز الرجل رأسه متردداً ثم صاح قائلاً ماذا لو هربتي؟ فأجابت رهف بضحكة خجولة :" كيف لي أن أهرب في هذه المنطقة النائية ولا شيء حولنا سوى الصخور و الأشجار ، إن كنت تخشى هروبي فسأعطيك ملابسي خذها معك و سأنتظرك . اقتنع الرجل الماكر و وافق على ذلك . ثم طلبت رهف منه أن يخرج و يلتقط سترتها من خارج الباب لأنها تستحي منه ، خرج الرجل و أخذ الملابس وأقفل الباب و هم مسرعاً .

    عادت رهف تذرف الدموع لكنها عزمت على الهروب فتلفتت حولها و أمسكت ذراعاً حديدية و بدأت تخلع شباك الغرفة حتى فُتحت كوة تمكنها من الخروج . نظرت إلى نفسها وهي لا ترتدي إلا ما يستر بعضاً من جسدها ، فأخذت لحافاً كان في زاوية الغرفة و لفت به نفسها و انطلقت ...

    كان المساء قد حل عندما دقت باب منزلها و هي في حالة يرثى لها . استقبلها زوجها فاغر الفم ثم قصت عليه ما جرى ؛ لكنه لم يبد شفقة لها و تعكر وجهه و اتهمها أنها قد لطخت شرفها و شرف زوجها و فعلت ما فعلت مع ذلك الرجل . أجهشت رهف البريئة بالبكاء و راحت تقسم له بأنها أخبرته الحقيقة لكنه لم يأبه لها ، فأمسكت اللحاف الذي كان ما زال فوق كتفيها و بدأت تشده و تمزقه لشدة غضبها ...و فجأة ، ظهرت من بطانة اللحاف رزم من النقود الورقية ، كان مبلغا لا يستهان به حتى أن زوجها برقت عيناه لِما رأى و بدا فرحاً للغاية و قال " إنه رزق من الله".

وقفت رهف ذاهلة لما حدث و قالت لزوجها "ويحك..! ماذا عني أنا ألن تأخذ حقي من ذلك الوغد بدل أن تتهمني بخيانتك؟ فنظر إليها مرتبكاً و متبسماً وقال "أنا لم أتهمك يا عزيزتي .. إنني أصدق كل ما تقولين ، دعينا نرتاح قليلا الآن ثم نسد ديوننا فيما بعد فقد أصبح لدينا مال وفير.

لقد كان لحافاً محشواً بالذل لا بالمال ..

(عندما يباع الشرف بالمال)...



   عن قصة المخرجة : رويدة الجراح   

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.