استرضاء النَّفس تهلكة ...


بقلم | محمد أفندي



سمعت كثيراً أنَّ الخوف يمكن أنْ يُعميَ البصيرة، و سمعت أيضاً أنَّ الخوف أدَّى لهلاك الأمم.
لكن تساءلت كثيراً: لِمَ كلُّ هذا الكلام عن الخوف و هو أمر غريزي؟!
حتَّى قرأت قصَّة عزيز نيسن  "آهٍ منَّا نحن معشرَ الحمير".

في غابر الزَّمان كان هنالك حمار هرم يلهو وحده في الغابة، يغني بعض الأغاني بلغة الحمير، و يأكل الأعشاب الغضَّة الطَّرية، و ذات يوم و هو يلهو تناهت إلى منخريه رائحة ذئب قادم من بعيد، رفع الحمار رأسه عالياً و أخذ نفساً عميقاً حتَّى امتلأت رئتاه وقال:
 لا يوجد رائحة ذئب، لا ليست رائحةَ ذئب.

و تابع لهوه قافزاً من مكان إلى آخر، و لكنَّ الرَّائحة أخذت تزداد كلَّما دنا الذِّئب أكثر!
 هذا يعني أنَّ المنيَّةَ تقترب، قد لا يكون ذئباً، قد لا يكون! بذلك حاول الحمار الهرم أن يطمئن نفسه، إلَّا أنَّ الرَّائحة كانت تزداد باطِّراد، فكلَّما ازداد الذِّئب اقتراباً كانت فرائص الحمار ترتعد رعباً، و مع ذلك كان يحاول إقناع نفسه بأنَّ القادم ليس ذئباً.
إنَّه ليس ذئب، إن شاء الله فكذلك، لِمَ يكون كذلك؟

 من أين سيأتي و ماذا سيفعل؟!

 و هكذا ظلَّ الحمار الهرم يخدع نفسه، حتَّى بات يسمع صوتاً غير مستحبٍّ، صوتَ دبيب الذِّئب القادم.
إنَّه ليس ذئباً، لا ليس صوت ذئب، و لا يمكن أن يكون كذلك، و ماذا سيفعل الذِّئب هنا؟
 ولِمَ سيأتي؟؟؟

و مع اقتراب الذِّئب أكثر فأكثر، أخذ قلب الحمار يخفق و عيناه ترتجفان، و عندما حدّق عالياً صوب الجَّبل، رأى ذئباً مندفعاً مخلفاً وراءه سحباً من الغبار.

آهٍ آه إنَّه ذئب، ماذا لو كنت أحلم بذلك؟
 قد يكون خُيِّلَ إليَّ أنَّ ما أراه ذئبٌ؟
أو كنت أحلم بذلك؟!

و بعد فترة ليست بطويلةٍ، رأى ذئباً قادماً من بين الأشجار، مرة ثانية حاول أن يطمئن نفسه قائلاً:
أتمنَّى أن لا يكون ما أراه ذئباً، إن شاء الله فلن يكون كذلك، ألم يجد هذا اللَّعين مكاناً آخر غير هذا المكان؟
 لقد أصاب الوهن عينيَّ، لذلك أخذت أرى هذا الشَّيء ذئباً قادماً.

تقلصتِ المسافةُ بينه وبين الذِّئب حتَّى أصبحت خمسين متراً، أيضاً حاول طمأنة نفسه قائلاً:
أرجو أن لا يكون ما أراه ذئباً، قد يكون حملاً، أو ربما فيلاً، أو أيَّ شيء آخر، و لكن لِمَ أرى كلّ شيء بهيئة ذئب؟!
أعرف تماماً أنَّ ما أراه ليس ذئباً، و لكنْ لمَ لا أبتعد قليلاً؟!

أخذ الحمار الهرم يبتعد قليلاً ناظراً وراءه، أمّا الذِّئب فقد اقترب منه فاغراً فاه!
حتَّى لو كان القادم ذئباً؟
 ماذا سيحصل؟
لا، لن يكون ذئباً، و لكن لِمَ ترتعد فرائصي؟

جهد الحمار الهرم لتكون خطواته أسرعَ، حتَّى بات يركض بأقصى سرعة أمام الذِّئب المندفع.
آهٍ كم أنا أحمق! فقد صرت أظن القطَّ ذئباً و أركض هكذا كالمعتوه، لا ليس ذئباً.
زاد الحمار سرعته حتَّى أخذت ساقاه ترتطمان ببطنه، و مع ذلك استمر في خداع نفسه قائلاً:
حتَّى لو كان الذي أراه ذئباً فهو ليس كذلك، إن شاء الله فلن يكون كذلك.

نظر الحمار الهرم وراءه فرأى عيني الذِّئب تشعَّان و تطلقان سهاماً نارية، وتابع ركضه مطمئناً نفسه بقوله:
لا، لا يمكن أن يكون ذئباً.

نظر الحمار خلفه عندما شعر بأنف الذِّئب يلامس ظهره المبلَّل، فوجده فاغراً فمه فوق ظهره.
حاول الركض، إلَّا أنَّه لم يستطع ذلك لأنَّ قواه خانته، فأصبح عاجزاً عن الحراك تحت ثقل الذِّئب، و لكي لا يراه عمد أن يغلق عينيه و قال:
- أعرف تماماً أنَّك لست ذئباً.

لا تدغدغ مؤخرتي، إنِّي لا أحبُّ مزاح اليد.
غرز الذِّئب الجَّائع أنيابه في ظهر الحمار الهرم، و نهش منه قطعة كبيرة، و من حلاوة الروح -كما يقولون- ارتبط لسان الحمار و نسي لغته.
آه آه إنَّه ذئب، آه هو، آه هو.

تابع الذِّئب النَّهش من لحم الحمار الهرم ذي اللِّسان المربوط، حيث لا يصدر منه سوى آه هو هاق هاق.
منذ ذاك اليوم نسينا أيُّها السادة، و لم نستطع التَّعبير عن رغباتنا و أفكارنا إلَّا بالنَّهيق.

و لو أنَّ ذاك الحمار لم يخدع نفسه لكنَّا نجيد الحديث بلغتنا إلى الآن، و لكن ماذا أقول؟
 آه منا نحن معشر الحمير هاق هاق.


و هكذا كانت نهاية المعشر كاملاً استرضاءً لنفسه الخوف.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.