أعمى البصر ..



بقلم | خالد العمر


كان بطولٍ متوسِّطٍ، ليس بقصيرٍ و لا طويل، يحمل على كتفيه كيساً تملؤه اثنتا عشرةَ علبةً من المناديل، ينادي بصوته العذب ليجذبَ الزبائنَ في الطُّرقات، و لعلَّه لا يعلم أنَّ نداءه كان جميلاً يجذب الناس للشِّراء، شاردٌ بنظره في الأفق و كأنَّه يحلم أو يستحضر ذكرياتٍ ماضيةً.

 لعلَّه يحلم بالأفضل أو لعلَّه كان بحالٍ أفضلَ، قد شدَّتني تفاصيلُهُ فأصبحتُ أتفحَّص  كلَّ ما يخصُّهُ إلى أن انتبهتُ أنَّه يحمل عُكازاً ليس بحاجتها، فهو يمشي بقوة، لا يوجد ضعفٌ في ساقيه، أدركت أنَّه أعمى فقد أغلى ما يملك الإنسان و يتباهى به ، قد فقد المصباحين اللذين ينيران الحياة، فقد الألوان، والأرجح أنَّه  فقد نصف الحياة فمن فقد النَّظر ماذا بقى له؟.

أصبحتُ أراه كثيراً في مناطقَ متعددةٍ و ظروف و أحوالٍ مختلفة، برداً أو حرَّاً، صيفاً أو شتاءً، يمارس عمله من دون كللٍ أو مللٍ، و أحياناً كان يجرُّه طفلٌ صغيرٌ، لم أعلم صلة قرابته به، لعلَّه يعمل معه مقابل المال، لكنَّه بدا غيرَ مهتمٍ بشيء، يجرُّ الرَّجلَ الأعمى بكلِّ هدوءٍ و من دون أيّ ردة فعل، لم أستطع قراءة شعور الطّفل الصّغير، و من يعلم  لعلَّه ابنه؟!

راقبته كثيراً و كنت أقفُ و أنظر إليه أينما أراه، و أعجز عن الشِّراء منه أو التَّحدث إليه، لم أعلم السَّبب، لكنِّي كنت أحسُّ بعظمة هذا الرَّجل و خصوصاً في زمن الكسل و الحضارة المزيفة.

كنت أرى فيه إنساناً قوياً عتيداً لا يعطي أيَّ اهتمام لإعاقته، يمشي ثابتَ الخطا و ينادي بصوت لا يعرف الضَّعف أبداً.

فعندما أراه و قد نال منِّي الضيقُ فإنَّ صدري ينشرح حالاً، و عندما أراه و قد نالت منّي الحياة أدركْ مدى تفاهتها.

كنت أرى ذاك الرَّجل الذي فهم الحياة بشكل صحيح، فهم أنَّها بحاجة لعمل مهما كانت الظروف، و أنَّها بسيطة رغم تعقيد أيامها، و أنَّك ببضع علبِ مناديلَ تستطيع تشييدَ حياةٍ كريمةٍ، ملامحُها العزة و الكرامة.

فهو أدرك أنَّ له رباً حاشاه أن ينسى أحداً، أدرك أنَّ لا شيءَ يصل إليك إن لم تخطُ إليه و لو خطوةً.

لم يتسوَّل أو يطلبْ من  الناس شيئاً أو حتى لم يقعُدْ و ينتظرْ النّاس أن يعطوه و يتصدقوا عليه ، مع أنَّ حالته قد تحرِّك مشاعر الكثيرين من أهل الخير.

لكنَّه عمل بجدٍّ و تعبٍ ليحصد نتيجة كلِّ  قطرةِ عرقٍ كريمة رزقه و تقدير الناس و احترامهم، فهذا حتماً أفضل من الشفقة عليه.
لم أعرف اسمه أو لقبه، فقد كان صوته و هو ينادي و طريقته في النَّظر و تحركاته تشعرني بالشَّلل و بأنِّي عاجزٌ و ضعيفٌ.

لم أعلم السّبب و لكن قد تكون إرادته القوية التي تتحدَّث إليَّ بدون كلام، و نظرته للحياة التي كانت أفضلَ من مئات المبصرين حولي الذين ينتهزون أيَّ فرصة في منحنيات الحديث للتَّأفف و التّعبير عن معاناتهم و عن مصاعبِ الحياة و ضيق الأحوال، و كثيرٌ منهم راكدون خاضعون لا يعجبهم أي عملٍ ، قد علوا بسقف طموحاتهم و أحلامهم بإمكانياتٍ أكثرَ ما يقال عنها متواضعة.

هممت مرات عدّة باعطائه المال أو بترجيه أن يأخذ منّي، فقد كنت متأكداً في قرارة نفسي أنَّه لن يرضى الصّدقة بسهولة.

و لكنِّي لم أجرؤ قطّ، فقد كان مهاباً، يفرض احترامه حتّى لو لم ينطق بحرف.

حتّى أنّي كنت أعتقد أنَّه يتصدَّق من المال الذي يجنيه، و لِمَ لا ؟فهو يعمل ويحق له أن يتصدَّق.

قد يشعر بعض النّاس بالشّفقة عليه و لكنِّي حين أراه أحسُّ بكلِّ شيء إلّا الشَّفقة، و هل هو من يستحقّ الشّفقة أم نحن؟ نحن الذين نملأ الأفق سواداً، و نحوّل الأملَ كآبةً، نحن الذين نقبر كلّ إرادة قوية بحجّة الظّروف، كلّنا نستحقّ الشّفقة و هو لا، نستحقّ الشّفقة لتعافينا و نعم الله الكثيرة التي رغمها نظهر ضفعاً و هواناً و خضوعاً منقطع النّظير، حتّى إنَّ بعضنا يتسابق بالشّكوى و يمتهنها.
و ما الذي يثير الشَّفقة به و هو بهذه الإرداة و القوة ؟

فالحياة مليئةٌ بالتَّحديات، و هو اختار أن يتحدَّاها رغم نقصه ظاهريّاً عنّا، فهو أعمى و لكنَّه عملياً أعمى عن الضَّعف و الكسل، أعمى عن العادات السّيئة و الحضارة المزيفة التي تدفع للرّكود و الإهمال، أعمى عن كلِّ سلبيات الحياة و الشَّكوى و ندب الحظوظ، عن السَّرقة و التَّطفل على الناس.

فبصرنا ينخطف و ينخفض احتراماً له وتقديراً.

فهو كان يبيعنا علبة مناديلَ و لكنَّا مع كلِّ منديلٍ نسحبه من العلبة كنَّا نتعلّم دروساً كثيرةً و نرى قدوةً قلّ مثيلها.
 كان هذا ما رأيته و هذا ما أردت أن أرويه.

كن المؤثِّرَ في الظُّروف لا المتأثِّر بها، فالقوة مصدرها الروح، لا تنسبِ الحُجَّة للظُّروف حتَّى لا تقعَ في فخِّ الهوان و الضّعف.
اصنع من رحم المعاناة إرادة قوية، كن كالبخور  لا يزيده الإحراق إلَّا طيباً، و اصنع من نفسك قدوةً لكلِّ بشريّ، و اعلُ بإمكانياتك ثمَّ ارسم حلمك الجميل، و لتكن كصديقنا الأعمى الذي أبصر بقلبه كلَّ تفاصيل الحياة.

هناك تعليقان (2):

يتم التشغيل بواسطة Blogger.