وقفاتٌ حولَ مقولة لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس ...


بقلم |  نبيل بن غياث شحادة


أكثرُ من سبعة أعوامٍ مضت على ثورتنا المباركة.
حيث ابتدأها ثلّةٌ صادقةُ بذلت مهجَها الغاليةَ ودماءَها الطَّاهرة الزَّكية من أجل غايةٍ عظيمةٍ وساميةٍ ألا وهي التّحرر من الظّلم وإقامة العدل وإعلاء دين الله سبحانه وتعالى...

وما إن مرّت هذه الفترة حتّى أتت أخرى، وأُدخلت فيها أيادٍ ماكرةً خبيثةً محليّةً ودوليّةً هدفُها تدليسُ الثّورة وقلب صورة الحقيقة رأساً على عقب،  ودسّت الفساد فيها شيئاً فشيئاً؛ سواء عن طريق الاستغلال المالي، أو بنشرِ الجوع والبطالة، أو عن طريق إغلاق منابر العلم والمدارس والبنى التّعليميّة ومنابر بناء العقل؛ وذلك بزرعِ أفكار حرفت البوصلةَ عن مقصودِ ثورتنا التي لم تكن في يوم من الإيام ثورةَ جهلٍ أو ثورةَ رزيلةٍ وضلالٍ وفسادٍ أو ثورةَ هدمٍ ودمارٍ وكذبٍ وتدليسٍ وبثِّ ما هو سلبي.

على العكس تماماً...
فالثّورةُ علمٌ
والثّورةُ دينٌ
 والثّورةُ أخلاقٌ
 والثّورة صدق
والثّورةُ إخلاصٌ
والثّورةُ حضارةٌ وتقدُّمٌ.
والثّورةُ رفعُ الظُّلم والأخذُ على يد الظّالم والفاسد...

نادت حناجرُ الثّورة منذ اندلاعها بنداءات عديدة وكان منها عبارة استوقفتني كثيراً ..

ألا وهي:
(لادراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس).
يا ليتكم فقهتم معنى هذه العبارة قبل أن تنطقوا بها....

عبارة لم تكن ثوريّة بحقّ...

هتف بها من هتف ظنّاً منه بأنّها أيامٌ قلائلُ ويسقط حكم الأسد المجرم وتنعم هذه البلاد بالعدل وحاكمية الشّريعة الغرّاء، ثمّ يتابع من توقف خلال هذه الحقبة الزّمنيّة تعليمه ودراسته. وتتابَع مسيرةُ الاستثماراتِ الاقتصاديّة وإعمار البنى التّحتيّة وغيرها....

لم يعلم أصحاب الحناجر المنادية بتلك العبارة أن الحكم الاستبداديّ والطغيانيّ الظّالم الفاجر متشعّبٌ لدرجة أنّه قد يمر سبعة أعوام وأكثر على ثورتنا العظيمة وجهاد هذه الأمّة الكليمة ولم يتزحزح من عرش الظّلم ولو شبراً واحداً.

بل دعمه الدّاخل والخارج العربيّ والأجنبيّ حتى اشتدّ ساعدُه من جديد وازداد ثباتاً وظلماً وطغياناً.

سبعة أعوام... يا لها من مصيبة شنعاء....!!!
كم من جيلّ يُبنى على العلم في هذه المدّة الزّمنيّة، وبنظري أنّ العلمَ أعظمُ درعٍ رادعٍ لأيّ ظالم وطاغٍ.

آآآهٍ لو يعلم قائل هذه المقولة كم من طفل رأيته يتنقل من حاوية إلى أخرى باحثاً عن حاجة له بينما مكانُه الحقيقيّ مقاعدُ الدّراسة وحِلقُ العلم...

آآآهٍ لو يعلم قائل هذه المقولة كم رأيت من أزهارٍ كاد ينتشر أريج عطرها في البلاد والأمصار؛ لكن بتوقّفها عن التّعلم الذي يُعدُّ غذاءً لها ذَبُلت وضاعَ عطرُها.

(الأزهار هم جيل سورية الحبيبة في هذه الحقبة الزّمنيّة)

آآآهٍ لو يعلم قائل هذه المقولة ما دفنَته من المعاني العظيمة ومن أشياءَ تعود على الأمّة بالهزيمة التي إن استمرّت ظنّاً منه أنّها نصراً أو جالبة له....!!

عن أي نصرٍ تتحدّث يا أخي...!!!؟؟
عن سُمٍ قاتلٍ ببطء دون أيّ رحمة أو استنكار ؟؟.

لقد علّمتني هذه العبارة القاسية:
أنّها سُمٌ مؤقت يقتلنا وأنّها عبارةٌ ساذجةٌ...
وعلّمتني أنّها أشبهُ بسلاحٍ يستخدمه العدوُّ ضدّنا لقتلنا دون أيّ تكلفة مادّيةً أو بشريّة...

وأنّ عكسها هو:
 (استمرار الدّراسة والتّدريس) وهذا المبدأ العظيم يصنع الحضارات ويعزُّ الأمم
ما دامت نيّته رفعَ مكانةِ الأمّة الإسلاميّة المكلومة حيث إنّ العلم هو من المأمورات التي أوصانا الله عز وجل بها حيث قال تعالى:
(فاعلم أنّه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك).

فالعلم يا أخي سلاحٌ كفيلٌ بأن يهزم أكبر جيش عرفه التّاريخ إذ من الصّعب جدّاً هزيمة أصحاب العقول النّاضجة المدجّجة بالعلم الصّحيح النّافع...

وعلمتني أيضاً أنّه مهما كانت ظروفك المحيطة بك قاسية فأنت قويٌّ وعزيمتك أقوى وتستطيع أن تنهض لتقوم بأمّتك وتصلحها.

وعلمتني أيضاً أنّ الانتصارَ الحقيقيَّ يكون باستمرار العلم والتعلّم لا بقطعه وقتله وتوقيفه...
وأنّه يكون في كلّ الظّروف والأحوال حتى ولو كانت هذه الظّروف ظروفَ حربٍ وتهجيرٍ وتشريدّ.
 فالتّعلّم لا يعرف هذه الأشياء لمن كانت عزيمته صلبةً وقويّةً.

وعلّمتني أيضاً أن العلم يقضي على التّخلّف والرّجعيّةِ والفقر والجهل والأمّيّة والتّعصّب وغيرها من الأمور التي تؤخّر نهوضَ هذه الأمّة ونصرَها فالعلم من أهمّ ضروريّات الحياة كالمأكل والمشرب وغيرها وهو من الأسلحة الفتّاكة التي عرفتها البشريّة.

وأختمُ بقول الشّاعر:
العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها
والجهل يهدم بيوت العزّ والكرمِ.

ونصيحتي لكلِّ إخواني السُّوريين الذين توقَّفوا عن العلم:

اعلموا أنَّكم تقتلون أنفسكم وأمّتكم وأنتم لا تشعرون !

الأمّة بحاجةٍ لكم ولقدراتكم التي تبلغُ عنان السّماء.
 أخرجوا ما بداخلكم من طاقاتٍ ووجِّهوها للأمِّة ولأبنائها ولنصرة الدِّين ..
فالأمّة بحاجة لمن ينصرها ويعلّمها ويوجّهها ويرفعها من ظلمات الجهل إلى نور العلم..

لا تقل فات الأوان أو لا أستطيع.
إنّ اللهَ _ سبحانه وتعالى_ ينتظرُ منك خطوةً نحو التّقدّم والتّغيير حتّى يغيّرك ويغيّر حالكَ إلى أحسن الأحوال.

قال تعالى:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)

(أزيلوا عنكم الطين وأخرجوا الذّهب الذي بداخلكم أنتم لم تموتوا بعد)

أبناؤكم مستقبلاً بحاجةٍ لآباء معلّمين ومرشدين ولن يكونوا بحاجة لآباء جهلةٍ يصنعون أسرةً جاهلةً ويبنون بيوتاً جاهلةً ومتخلّفة.

(إن تغلبنا على الجهل بالعلم حُسمت المعركة).

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.