لنبني الأمم بعلو الهمم




بقلم | عبد الرحمن شريف

الهمَّةُ والعزيمة محرِّكُ الطَّاقةِ البشريَّة، ومفتاحٌ لبلوغ القمَّة، وأداةٌ لأيِّ مشروعٍ نهضويٍّ هادفٍ للبناء وتحقيق الإصلاح؛ ومثابرة للعمل بعدم الاستسلام للعقبات والصَّبر لتحقيق المبتغيات.

وقد عرَّف بعض العلماء الهمَّة بأنها الطَّاقةُ الكامنةُ في ذواتنا التي تدفعنا للحركة والعمل دفاعاً عن الأمل لتحقيق الغايات المرجوَّة. 

وإنَّ علوَّ الهمِّة أحدُ أقوى الدَّوافع التي تدفع الإنسان وتشحذ من عزيمته لتحقيق أهدافه والوصول إلى ما يطمح إليه.

 وتُعدُّ قوة الإرادة والعزيمة من العوامل الحتميَّة، والأدوات الأساسيَّة التي يرتكز عليها النِّجاح في أيِّ مجالٍ من مجالات الحياة؛ فأينما توقَّف إشعاع روح العزيمة، خمدَ إشعاع العقل، إذ يفقد الإنسان تعطشه للفهم وإرادته للعمل حينما يفقد الهمة والإيمان الباعث للنهوض.

وتنقسم الهمَّة من حيث الاستعداد الفطريُّ لها إلى موهوبةٍ ومكتسبة: 
فأما الموهوبة فتولد مع الإنسان، وهي قابلة للتَّرفُّع إذا ما تمَّ استثمارها بالتَّطوير والتَّجديد المستمرَّين، وللهبوط في حال سيطر العجز والإحباط على دوافع الإنسان.

 وأما الهمَّة المكتسبة فهي معيار الزِّيادة في الهمَّة الموهوبة، وزرع الهمم في نفوس فقرائها ومحتاجيها، عبر الترغيب بفضائلها، والتحذير من عواقب فقدانها وإضاعتها.

ونرى أنَّ من أهمِّ الصِّفات المميِّزة لأصحاب الهمم العالية هي الصَّبر والإصرار، الذي يُعين الإنسان على حشد كل طاقاته الإيجابيَّة، وتوجيه سلوكه الذَّاتيِّ والمعرفيِّ والعاطفيِّ والعقليِّ والبدنيِّ بما يخدم الأهداف التي يسعى إليها بشكل دؤوب لتحقيقها، فلا يُلاحظ فيهم فتوراً ولا جموداً.

ولابد من وسائل لتوسيع شموليَّة الهمم، يأتي في صدارتها إخلاص التَّفكير وجدِّية التَّطبيق.

في الحقيقة لا ينال هذه الوسيلة إلا من يضع نصب عينيه ثلاثةَ أمور:
إبداع الفكرة بدل استيرادها
 ووضوح الهدف
 وإدراك أهمية الوقت؛ فهو أحد أهمِّ عناصر المعادلة الحضاريِّة ويتمُّ مراعاة قيمته عبر الاستخدام الأمثل له.

ليس هذا فحسب؛ بل إنَّ من وسائل توسيع شموليَّة الهمم أيضاً مخالطة أصحاب الهمم العالية، فكما يقال: الصاحب ساحب وكل قرينٍ بالمقارنِ يقتدي.

لاسيما أن التَّلاحم مع أصحاب الهمم يعزز الفكرة جاعلاً إياها مشروعاً عمليَّاً قابلاً للطَّرح، ولتوزيع المهام توزيعاً مدروساً قائماً على الاختصاص والقدرات المناسبة لكل مهمِّة من مهام هذا المشروع.

ومن أهم ما يجب التَّنويه به؛ أن صعوبات الحياة وقساوة تفاصيلها، وما يتذرَّع به الكثيرون من الكسالى أصحاب الهمم المثبِّطة، من مرارة العيش وصلابة الظُّروف لم تكن يوماً مسوغاً لاستحلال فتور الهمة والاستسلام للواقع المر؛ لأنه  وببساطة: لو سُلط الضوء على سير حياة أولئك الناجحينَ الذين لم تخلُ حياتهم من مشاهد التَّحدي التي جسدت نماذج شاهدة على إمكانية الخروج من سجن الصعوبات وعقبات الطريق، لظهر جلياً للمتدبِّر أنَّ الإبداعَ مولودٌ من رحم المعاناة لرفضهم الواقع المرير وسعيهم لتحسينه.

وصاحب الهمة العالية لا يهمُّته التفرُّد بالطَّريق، بل تراه دائماً يسعى لإيجاد شركاء هذا الطَّريق، وسرعان ما يحصد ثمار سعيه بتضاعف المجهود، وتزايد سرعته في المضيِّ قُدُماً في ميدان النُّهوض. 

ويعكس مفهوم إعلاء الهمَّة على شخصيَّة الفرد سماتٍ عظيمةً، متمثِّلة باكتساب التَّجارب والخبرات، عبر مبادراته ومشاريعه النَّاجحة، بفضل همِّته وإصراره الذي يعلي من طموحه الهادف للبناء واستثمار الوقت، لتنظيم خطط واستراتيجيات هذا البناء. 

الجدير بالذكر أنِّ الشِّرط الأساسيِّ للنُّهوض بأمَّتنا واللَّحاق بركب الحضارة للفوز بالازدهار في كافة المجالات، هو علوُّ همَّةِ أبنائها، وتنامي حسّ الجماعة الذي ينقذ الأمة من حاضر الفوضى والرَّجعيَّة، ويبني صرح المستقبل الزَّاهر.

 لذلك لم يكن علو الهمَّة حكراً على أي فرد دون باقي أفراد الأمة؛ شريطة امتلاك هؤلاء الأفراد إرادة التَّغيير؛ فلا نجاح دون همَّة عالية، ولا همَّة إلا بعد الإحساس بِهَمِّ المسؤولية، فالهَمُّ بذرة نبات الهِمَمْ، بل وغيثٌ تنمو منه تلك الهمم، وتثمر على الفرد ومجتمعه، فالروح التي تعشق السُّمو وتعشق المكانة الرَّفيعة، ولا ترضى بالعجز والتَّدنِّي، هي روح تنبعث فيها الحضارة وتزدهر.

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.