حلقة من تاريخ أمتنا


بقلم | أمين الحَمَّادِيّ





-هناك رواياتٌ تاريخيّةٌ كاذبةٌ تتنافى مع ما يعتقده الكثيرُ من أهلِ السّنّةِ في يزيد بن معاوية، رواياتٌ رضعناها منذ الصِّغر حتّى أصبحت مع مرور الوقت من الحقائقِ التّاريخيّة، ثمّ آلَ بها المآلُ إلى أن تصبحَ من المسلّماتِ بل

 كأنَّها من المعلومِ من الدِّين بالضَّرورةِ، ومنها إلصاقُ تهمةِ قتلِ الحسينِ بن علي-رضي الله عنه-بيزيدَ بن معاوية رحمه الله، والأمرُ المحزنُ هو تصديقُ كثيرٍ من علماءِ أهلِ السُّنَّة ومؤرِّخيهم تلكَ الرِّواياتِ وتناقُلِها بينهم.

الهدفٌ من كشفِ هذه الحقيقةِ ليس نابعاً من دافعٍ شخصيٍّ أو تعصُّباً لبني أميَّة، بل لقطعِ كلِّ الطُّرق أمامَ أعداءِ الدّين لئلا يصلوا إلى مرامِهم في سبِّ صحابةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلّمَ، فمَنَّ سب يزيدَ سيتجرَّأ على أبيه 

معاوية، ومن سبَّ معاويةَ سيتجرَّأ على عثمانَ رضي الله عنه، وهكذا حتَّى يتمَّ سبُّ وشتمُ الصَّحابةِ وقذفُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، ثمَّ تُستباحُ دماؤنا في الشَّام بعدَ ذلك بحجَّةِ الثَّأر للحسينِ، كما استُبيحَت في العراق واليمن.

 ثمَّ وإن كانَ مقتلُ الحسينِ بنِ عليٍّ فظيعاً بلا أدنى ريب، إلّا إنَّه لم يكن أفظعَ من مقتلِ أبيه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يكن أفظعَ وأعظمَ من مقتلِ عثمانَ صهرِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن أفظعَ من

 مقتلِ الفاروقِ عمرَ بن الخطَّاب، ولا أفظعَ من مقتلِ زكريَّا نبيِّ الله، بيدَ أنّ الشِّيعةَ لا يتباكون إلَّا على مَن كانت زوجتُه من بني ساسان-الحسين بن علي-حيث إنَّ زوجته كانت شاه زنان بنت يزدجرد.

 منذ الصِّغر كنَّا نسمعُ قصَّة مقتلِ الحسينِ برواياتٍ مغلوطةِ يتلقَّفها النَّاس ويصدِّقونها، وكانت تلك الرِّوايات تقول إنَّ يزيدَ هو مَن قتلَ الحسين، وأهانَ زينبَ بنتَ عليّ، وطردَ عليَّ بنَ الحسينِ بنَ عليَّ من دمشقَ، ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّه عندما بايعَ الصَّحابةُ يزيدَ ولم يرفضْ البيعةَ إلَّا الحسينُ بنُ عليٍّ وعبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ، 
أرسلَ الشِّيعة في العراقِ رسائلَ كثيرةً للحسينِ يبايعونَه ويحثُّونَه على القدومِ إليهم، فأرسلَ الحسينُ ابنَ عمِّه مسلمَ بنَ عقيل بن أبي طالب ليتأكَّدَ من صدقِهم، فلمَّا وصلَ مسلمُ العراقَ،

 اجتمعَ له في الكوفةِ في صلاةِ الفجرِ ما يربو عن ثمانيةِ عشرَ ألفاً من الرِّجال، يبايعونَ الحسين ويعطونه العهود والمواثيق على نصرته، فأرسلَ مسلمٌ رسالةَ للحسين يقول فيها:
(أمَّا بعد. فإنَّ الرَّائد لا يكذبُ أهله، فإذا وصلك كتابي هذا فتعجَّل الإقدامَ فإنَّ النَّاس ليس لهم في آل معاوية رأياً ولا هوىً والسّلام).
 ثمَّ جاء الوالي فدفع المال لأولئك المرتزَقَة الشِّيعة لقاء أن ينصرفوا عن مسلم بن عقيل ويخذلوه، فما أذَّن المغرب إلا وقد وجد مسلم نفسه وحيداً تائهاً في طرقاتِ الكوفة وقد خذله الشِّيعةُ الخونةُ وانصرفوا عنه، فكان في الأزقَّة يلتمسُ القِرى، لعلّه يجدُ شربةَ ماءٍ يتبلّغُ بها على مصيبته التي وقعت، حينها رأته عجوزٌ فأدخلته بيتها، فقال لها:
(أنا مسلم بن عقيل قد كذبني النَّاس)

فلمَّا سمعته أبى طبعُ الشِّيعة في الغدرِ والخيانةِ إلّا أن يتحرّك فيها، فخرجت من بيتها وأحضرت رجالاً فأوثقوه وسلّموه للوالي لقاءَ دراهم معدودة، وقُتِلَ مسلم بن عقيل، وكان قد طلب من الوالي أن يرسل رسالة للحسين يبلّغه فيها أنَّ شيعةَ أبيه قد خانوه كما خانوا أباه علياً من قبل.

ولسوءِ الحظِّ، بل ربَّما ليقضِ الله أمراً كان مفعولاً، وصلت رسالة مسلم للحسين متأخّرة، ومع ذلك فإنَّ الحسينَ أرادَ أن يرجعَ إلا أنّ أبناءَ مسلم بن عقيل رفضوا الرُّجوعَ طلباً لثأر أبيهم، فتبعهم عمُّهم الحسين.

فلمَّا وصلوا منطقة "الطّفّ" فاجأهم أن رأوا ثلاثين ألفاً من الشّيعة قد انضموا لجيش يزيد لمقاتلة الحسين، فطلب الحسين منهم أن يرجعوا من حيث أتوا، أو يتركوه يذهب إلى ابن عمه يزيد بن معاوية على حدِّ وصفِ الحسين، أو يتركوه يجاهد المشركين على الثُّغور، فرفض المرتزقة ذلك ثمَّ جرت معركةُ "الطّفّ"، تلك المعركةُ التي قتلوا فيها ابن بنتِ رسولِ اللهِ _صلّى الله عليه وسلّم_ وسبعين من أهل بيته، ومثّلوا بجثّته لعنَهم الله.

 هذه هي خياناتُ الشّيعة المتكرِّرة، يخونون عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ومِن بعدِه مسلمَ بن عقيل ثمَّ الحسين بن عليّ، ثمَّ زيد بن عليّ بن الحسين، ثمَّ يتباكونَ عليهم وينوحون كما تنوح النِّساء، ويلعنون أئمَّة الهدى من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

   وإنَّ يزيد بن معاوية رحمه الله-كما يذكر الطَبري-كان رجلاً فيه خصالٌ كثيرةٌ محمودةٌ، وشمائلُ محبوبةٌ، كالكرم والحلم والفصاحة، والشّعر، والشّجاعة، وحسن الرّأي في الملك، وكان جميلاً مهيباً حسن المعاشرة.

وكان أول من غزا القسطنطينية سنة تسع وأربعين للهجرة، ولقد ثبت في الصَّحيح قولُ النَّبيِّ صلَى الله عليه وسلّم:
"أولُ جيشٍ يغزو مدينة قيصر مغفور لهم"
فهذه شهادةُ من النَّبي محمَّد صلّى الله عليه وسلّم للجيش الذي يغزو القسطنطينيّة أوّل مرةٍ بالمغفرةِ والرِّضا، وكفى بها شهادةً طيبةً ليزيد أن يكون على رأس ذلك الجيش المغفور له.

 وكان يزيدُ بنُ معاوية رحمه الله قد روى حديثين عن النَّبي _صلّى الله عليه وسلّم_ أحدهما عن أبيه عن النَّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ أنّه قال:
"مَن يردِ الله به خيراً يفقّهه في الدّين".
 وحديثاً آخر في الوضوء. فكيف يأخذ علماء الحديث حديثاً ويضعونه بمرتبة الصّحيح إذا كان يزيد من رواته وهو كما يقول عنه الأفّاكون:
 صاحب شراب وقيّان ولهو ومجون؟!

 نحن نعرف أنّ أهل الحديث إذا رأوا في السَّند رجلاً لا يكون ثقةً أو عدلاً، فإنهم يُسقطون عن الحديث صفة الصّحة أو الحُسن.

 ولقد ذكره أبو زرعة رحمه الله في الطبقة التي تلي الصّحابة، وهي العليا، مع التّابعين رحمهم الله.
وفي هذا المقال لا بدَّ لي من أن أذكر بعض أقوال أئمّة الهدى من آلِ بيتِ النّبيّ محمّد _صلّى الله عليه وسلّم_ وشهاداتهم في يزيد بن معاوية رحمه الله:

-قال محمّد بن عليّ بن أبي طالب رحمه الله:
"وقد حضرتُ يزيد بن معاوية وأقمتُ عنده فرأيته مواظباً على الصّلاة، متحرّياً للخير، يسألُ عن الفقه، ملازماً للسّنّة".
-وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رحمه الله:
"بأبي أنتَ وأمّي يا يزيد، والله لا أجمع أبوَيَّ لأحد بعدك".

-وقال عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب رحمه الله:
"بعد ما رأيته من يزيد، عرفتُ أنّه إذا ذهبَ بنو أميّة فقد ذهبَ حلماء النّاس".
ولنعلم أنّ التّاريخ قد كتبه المؤرخون في عصر بني العبّاس، وكلُّنا نعرف أنّ بني العبّاس على عداوة شديدة مع بني أميّة، لذلك فقد تمَّ الانتقاص من قدر بعضِ الخلفاءِ الأمويِّين وتشويهِ صورتِهم كيزيدَ بن معاوية، ومروان بن الحكم، والوليد بن عبد الملك، ومروان بن محمّد وغيره.

ومن جهةِ أخرى، تمُّ تشويهُ سيرةِ بني أميّة لأنّهم في الحقيقة فتحوا مشارق الأرضِ ومغاربها، وأقاموا الشَّريعة، وبسطوا نفوذَ الإسلام ورايته الخفَّاقة، فعمدَ أعداؤنا إلى هدمِ البيتِ الإسلاميِّ من الدَّاخل عن طريق الطَّعن بالأعلامِ وتشويهِ القدوة.

وفي الحقيقة لقد كان لهم ما أرادوا، فبعضُ المسلمين اليومَ يتجرّؤون على يزيدَ بن معاوية ويلعنونه ويسبّونه، بل وصل الأمرُ ببعضهم إلى الانتقاصِ من معاويةَ كاتبِ الوحيِ، والانتقاصِ من عمروِ بن العاص فاتحِ مصر، الذي قال فيه رسول الله صلَى الله عليه وسلّم:
"أسلمَ النّاس، وآمنَ عمروُ بن العاص".
الحقيقة واضحة كالشَّمس لمَن أراد رؤيتها، ومَن عشَّشت في رأسه الأكاذيبُ ورضيَ بها، فلا كاشفَ لضُرِّه إلا رحمةُ اللهِ.
-----------------------

إرسال تعليق

0 تعليقات