رسالة التعليم




بقلم | نيرمين خليفة


إذا أردنا النّهوضَ بأمتنا العربية المسلمة فعلينا قراءةُ الواقع لبناء المستقبل.
 وإنّ مرحلةَ الطفولةِ هي لبنةٌ تسترعي منّا كلّ التبصّر والإتقان في جبلِ طينتها، لأنها الأساسُ الذي سيُبنى عليه المستقبل.

وإنّ إعدادَ أطفالٍ على قدرٍ من الوعي بالذات وبصيرة بالهوية يتطلب بالضرورة أن تكون الخلية الأساسية التي تصنع هذه اللبنات واعيةً بذاتها مقدّرةً لإمكاناتها ومتوافقةً اجتماعياً مع السياسة التربوية والأخلاقية للمجتمع.

ومن أشدّ الخلايا تأثيراً في تكوين طفل الحاضر وباني المستقبل هي الأسرة، وهي المؤسّسة الأولى التي توفر للطفل تجارب التفاعل الاجتماعي وتطبع طفلها بطابعه الشخصي والاجتماعي والأخلاقي، وتستمرُّ الأسرةُ منفردة بتشكيل ملامح شخصية الفرد حتى نهاية السنة السادسة من حياته، لتتدخل ثاني أكبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية في بلورة شخصية متفردة متميزة سوية فاعلة ومتفاعلة مع العالم ألا وهي المدرسة، ولتستمر عملية التربية والتعليم التي ستكون أطول المراحل التي سيمرّ بها الفرد.

لا يقتصرُ دورُ المدرسةِ على تعليم الطفل العلومَ الطبيعية والرياضية والفنون والأخلاق، بل يشملُ دورُها الطبيعي تربيةَ الطفل، وتطبيعه اجتماعياً، بالإضافة إلى تعديل سلوكياته السلبية، وتطوير ميوله الإيجابية، والمساهمة في تشكيل الاتجاهات الصحيحة نحو مختلف الأشياء والمواضيع والقضايا، كما أنّها الفضاء الخصب لاكتشاف المواهب والإبداعات وتطويرهما، ولا يخفى على أحد دور المدرسة في صحّة الطفل النفسية، ففي المدرسة يشعرُ الطفلُ بكيانه، وبأنّه كائنٌ فعّالٌ له جماعته الخاصة، وله صفه الخاص، فيها يستطلع أولى خبرات النجاح الباهرة، التي تترك فيه أثر الإنجاز والمعنى لما تبقى من حياته القادمة.

وعلى النقيضِ تماماً فيمكنُ أن تكونَ المدرسةُ سجناً يغتالُ قدرات ومواهب الطفل ويدمّرها، حيث لا أحد يُشعره بأهميته وبفرديته التي ميزه الله بها، وحيث يمكن أن يتمّ نبذُه من الجماعة التي يتعرف فيها على كيانه، ويرى قيمته من خلالها، ويمكن أن يتمّ تجاهلُ بعضِ الاضطراباتِ النفسيةِ التي يعاني منها، أو حتى يتمّ رفضه بسببها.

 بل الأدهى من ذلك أن نرى أطفالنا مغيّبي الهوية، تضيعُ ملامحُ ثقافتهم وتاريخيهم، وفي  هذه المؤسسة المضطربة كيف لنا أن نرعى ونعد أطفالنا الذين هم  نصف الحاضر و كل المستقبل.

 وهنا أرى أنه من المفيد إنارةُ بعض الزوايا المعتمة على مسبّبات هذه النتائج الكارثية في مدارسنا، فنحن لا نكتب فقط لنلعنَ الظلام، بل نحاولُ إشعالَ شمعةٍ، عسى أن تكون نقطة نور يهتدي بها من شاء الله له الرشد والسداد.

     من هذه المشكلات التي نعاني منها هي قلةُ الكوادرِ التعليمية المؤهّلة التي تتولى أقدس مهمة، وهي إعداد النشء، فبغضّ النظر عن فكرة المؤامرة الموجودة حقاً، والتي تقول بأنّ الكل يسعى إلى تجهيلنا ويحاول عدم تقديم أي مساعدة لمشاريع التعليم والتطوير والبحث العلمي والتربوي، لكن في المقابل نحن من نساعدُ على ذلك بانتشار الفساد وتوظيف كل من هبّ ودبٍ في سلك التعليم بحجج واهية من قلة الموارد وفساد بعض المنظمات التي تُعنى بالتعليم، إضافة إلى تعدد السلطات المسؤولة التي تديرُ العمليةَ التعليميةَ وتتضاربُ من خلالها معايير وشروط انتقاء العاملين في مجال التعليم.

 لستُ بصددِ طرح حلول لأنّ المشكلة أكبر من أن يكون هناك وصفة جاهزة لحلها، فلدينا في الشمال السوري أربع مديريات للتربية، تربية حماه الحرة وتربية إدلب الحرة وتربية حلب الحرة بالإضافة إلى تربية النظام والتي ما تزال تسيطر على إدارة ما تقدر نسبته ثلاث أرباع المدراس في الشمال المحرر، حيث يبلغ عدد المدارس التابعة للنظام 847 مدرسة من أصل 1125 مدرسة في المحافظة ككل بحسب جريدة زيتون.

وحيث ما يزال المدرّسون التابعون لتربية النظام يتقاضون رواتبَهم من حماه المدينة، وبشكل دوري، لا أعلم إذا كان النظام يفرض رقابة على معلميه حتى فوق أرضنا لكن ما أعلمه أن هؤلاء المعلمين يتميزون بإخلاص رهيب لسيدهم الذي يمنّ عليهم بلقمة العيش، والضحية الأولى هي أبناؤنا الذين مازالوا يرزحون تحتَ رحمةِ عدونا، يتلقّون أفكاره وثقافته، وتحجبُ عنهم هويتُهم وروحُهم الدينية الأصيلة، فكيف لنا أن نعد يافعاً سوياً روحياً وعلمياً وعملياً بينما تتقاذفُه يدُ الأعداءِ في المدرسة وتتلاعب بأفكاره الإصدارات الشاذة على مواقع الإنترنت!!

 ونحن ما نزال نناقش مواضيع فرعية لاتسمن ولا تغني من جوع! بدون أي  خطوات عملية تسعى لانتشال أبنائنا من هذا المستنقع ولو بجهود تطوعية من الفعاليات العلمية والفكرية وأصحاب الهم من الكفاءات العلمية!

 صحيح أن الطامة كبرى ولكنّ اللهَ لا يضيعُ عملَ عاملٍ مهما كانت خطواته متواضعة، وهذا ما أودّ قوله لك زميلي الطالب الجامعي، فأنت أملنا في هذه المرحلة، وعليك أمام الله علمك وجهدك واستشعار مسؤولية الجهاد فهي من المجاهدة وبذل الجهد في كل سبل الخير والعمران، ولا أنبل من عمران النفس الانسانية وتزكيتها (قد أفلح من زكاها)
 نفسك وأنفس العشرات من النشء بعدك، ولا أحسب هدفاً خالداً أسمى من هذا الهدف  خلوداً وفلاحاً في الدنيا والأخرة.

في النهاية لابد من التعريج على موضوع المناهج التعليمية وطرائق التدريس التقليدية التي أكل الدهر عليها وشرب، فهذه المناهج في جزء منها خطط خبيثة لتطوير الطفل علمياً، وتجهيله اجتماعياً، وتغيبه دينياً وثقافياً، وتتمركز فكرة جوهرية هنا في العمل على تقليص حصة العلوم الإنسانية في مناهجنا التي يذكر كثير من العلماء أهميتها في حفظ الهوية الثقافية والتاريخية للأمة ومواجهة التهديدات الوجودية من غزو فكري واقتصادي وعسكري، بل الأدهى والأمر عندما نرى بعض المحسوبين على الثورة يسعى لإلغاء تلك المواد من المناهج ليساعد من حيث يدري أو لا يدري على هدم مستقبل مجتمعنا وإنتاج فرد منفصل اجتماعياً عن سياق الحضارة منزوي عن القدرة على قيادة زمام النهضة من جديد.

إرسال تعليق

0 تعليقات