دفقة قهر






بقلم خالد العمر





"لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لِمَ لَمْ تمهِّد لها الطريق يا عمر؟"

- تلك الكلمات العظيمة التي تشرّفت بأن نطقها عمر لم تأتِ عن عبث، ولم تكن محض كلماتٍ لكسب حبِّ النّاس أو لتكونَ شعاراً فقط، فعمر كان الرَّجل الذي يقول ويفعل، الرّجل الذي حمل في قلبه وجع الأمة وشغل همُّها تفكيرَه، فنطق لسانُه بتلك الكلمات العظيمة كتحصيل حاصل.
- كنت أشاهد أحد الفيديوهات عن مساعدةٍ من شبابٍ أخيارٍ لرجل فقيرٍ كريم يكاد يفقد بصره إذ تأخر عن إجراء بعض العمليات لعينيه، جالِسٍ بدون عمل يعيش من الرِّزق الذي كتبه الله له، نسيَه النّاسُ، ولكنْ له ربٌ رحيمٌ به، عليمٌ بحاله، حاشى وكلا أن ينساه، يسخّر له إن أراد السموات والأرض حتى يرزقه.

أثّر المشهد في قلبي كثيراً ودمعت عيناي تزامناً مع نزول دمع الرجل الكريم حين التقط منهم المساعدة التي تكفيه تماماً، دموعٌ نزلت بعد أن فُتح باب الفرج أمامه بدون أي جهدٍ منه أو تدبير.

ولكني لا أعلم لم تذكرت حينها "عمر" لا أعلم كيف استحضرته ذاكرتي حالاً وتحديداً العبارة التي ذكرتها آنفاً.

ولِمَ لا أتذكر "عمر" الذي كان يهتم بالناس وكأنهم عياله؟! يقضي ليله متنقلاً بين بيوتهم مستمعاً لحوائجهم العزيزة وقاضيها لهم، مشاركهم همومهم ومطمئناً مواظباً على حالهم.

عمر الفاروق الذي لا يضيع في بلاده حقٌ، الذي يرتدي ثوبه الممزق ليلبس بلاده الحلة الحريرية الجميلة.

"عمر" الذي ينام جائعاً ليأكل الناس ، يشعر بفقيرهم ويوجّه غنيهم.

كل ذلك وأكثر جعلني أستحضر "عمر" لأن الرجل المحتاج في هذه البلاد ليس وحده وأمثاله كُثر ممن يتعففون حتى لا يعلم بحالهم إلا الله، و الذين لا عونَ لهم ولا سندَ لهم سواه، كلهم على رأسهم راعٍ، نام على سريرٍ من العاج ملتحفاً سبائك الذهب، يلهث وراء السلطة، ممتهناً العمالة لأعداء الوطن محترفاً السرقة والنهب لا يعلم عن رعيته شيئاً، ثم يخرج أمام الشاشات ببدلته الرسمية التي كلّفت مبلغاً أصفاره كثيرة ليتكلم باسم الشعب.

هناك "عمر" الذي أعطى الاهتمام حتّى لتعثر دابةٍ في العراق، فما كان حجم اهتمامه بالناس، عقلي لا يكاد يتخيل ذلك لأني لم أرى مثيلاً لذلك في حياتي.

وهنا حاكمٌ أخرق لا يكاد يستطيع الاهتمام بأهل بيته حتى يهتم برعية، هنا حاكم يعرف كيف يكون ذنباً فقط، لا يهتم سوى لذلك الكرسي الذي سيأخذه معه إلى جهنم.

"لسألني الله لِمَ لَمْ تعبّد لها الطريق يا عمر"

ستُسألون والله وسننظر لعذابكم ونشفي عطش قلوبنا للعدل الذي حُرمنا منه على يدكم، ألا تبت كل أيديكم.


إرسال تعليق

1 تعليقات