اللغة المعجزة




بقلم  | جنان بكور



-لم يعرفِ العرَبُ دواءً أنجعَ ولا عقاراً أنفعَ ولا جمالاً أبدعَ ولا رابطاً أجمعَ لكيانِهم ووحدتِهم من اللغةِ العربيَّةِ.
ولم يذوقوا ثماراً من بستانٍ أوسعَ ولا أنفعَ ولا أنوعَ من بستانِ لغتِهم على تعدُّدِ فنونِها وآدابِها من الأدب، والبلاغةِ، والنَّحوِ، والإملاءِ، والعَروضِ، ومما لا ينتهي تصنيفُه من الأنواعِ الأدبيَّةِ الرَّاقية التي تحوزُها هذه اللغةُ.

فما حيلةُ العاشقِ أمامَ هذا الجمالِ الباهرِ وهذه المعجزة المذهلة؟!
أليسَ إعجازاً أنَّنا نقرأُ نصاً عربيَّاً منذُ ألفٍ وأربعِمئة وتسعةٍ وثلاثينَ عاماً فنفهَمُه ونَعِيهِ وندرسُ حروفَه وكلماتَه ونُقلِّبُ أوجُهَ بيانِه ونستنبِطُ من فائقِ أحكامِهِ ما يُذهِلُ العلماءَ فضلاً عن العوامِّ؟!

فيما لو قرأَ الإنكليزيُّونَ نصَّاً باللغةِ الإنكليزيَّة كُتبَ قبلَ خمسِمئةِ سنةٍ فقط فلن يستطيعوا فهمَه ولا حتَّى إدراكَ المقصودِ منه.
فمَا هذه المعجزةُ العظيمةُ التي حفظَت لنا لغتَنا قراءةً وخطَّاً إلى يومِنا هذا؟!
إنَّ التَّفكُّرَ والتَّأمُّلَ في هذه الرِّسالةِ الإلهيَّةِ الموجَّهةِ إلينا تدفعُ العاقلَ إلى الاهتمامِ باللغةِ العربيَّةِ وحبسِ النَّفسِ على تعلُّمِها وإتقانِ أساليبِها والغوصِ في أجزائها بل والغرقِ فيها.

ألَا ترى المسافرَ البحَّارَ لو عرفَ بوجودِ كنزٍ في قاعِ البحرِ أعدَّ العُدَّةَ وأزمعَ على الغوصِ في أعماقِه ليحصُلَ على الكنزِ المدفونِ، ومثلَهُ المسافرَ في بحارِ اللغةِ العربيَّةِ -وهو مدرِكٌ أنَّها السِّرُّ العظيمُ الذي حفظَ علينا دينَنا وتُراثَنا -تراهُ كلَّما تعمَّقَ في اللغةِ وشاهدَ بهاءَها وروعتَها قرَّر الغوصَ في جزئياتِها، وركبَ سفُنَ الشَّوقِ إلى غيبيَّاتِها وخفاياها، وأحبَّ لو يذرَع طولَ العربيَّةِ وعرضَها بحثاً عن الكنزِ الدَّفينِ والعلمِ المستطيلِ.

-لم يكن علماؤنا غافلينَ عن أهمِّيَّةِ اللغة العربيَّةِ وقيمَتِها وأثرِها في استقامةِ حالِ الأفرادِ الذي يؤدِّي إلى إقامةِ الأمَّة ورقيِّها، لذا نرى شمسَ الأمَّةِ الأمامُ ابنُ قيِّمِ الجوزيَّةِ رضيَ الله عنه وأرضاه يقول: (وإنَّما يعرفُ فضلَ القرآن من عَرَفَ كلامَ العربِ، فعرَفَ علمَ اللغةِ وعلمَ البيانِ ونظَرَ في أشعارِ العربِ وخطبِها ومقاولاتِها في مواطنِ افتخارها.)

"الفوائد المشوق إلى علوم القرآن" ص٧
ويقول شيخُ الإسلامِ الإمامُ ابنُ تيميةَ رحمَه اللهُ رحمةً واسعةً حاثَّاً على تعلُّمِ اللغة العربية واستخدامِها في كلِّ محفلٍ والاحتفاءِ بها والرجوعِ إليها: (اعلم أنَّ اعتيادَ اللغةِ يؤثِّرُ في العقلِ والخُلُقِ والدِّينِ تأثيراً قويَّاً بيِّناً، ويؤثِّرُ في مشابهةِ صدرِ هذه الأمَّةِ من الصَّحابةِ والتَّابعين، ومُشابهتُهم تزيدُ العقلَ والدِّينَ والخُلُقَ).
"اقتضاء الصِّراط المستقيم"
١ / ٢٠٧

ويكفي اللغةَ العربيَّةَ فضلاً أنَّها لغةُ القرآنِ الكريمِ
الكتابُ الخالدُ والبرهان السَّاطعُ الذي شملَ القوانينَ الدِّينيَّةَ والدُّنيويَّةَ ليضمنَ بناءَ الأمم على أحسنِ حالٍ وأعلى مثال، فقال اللهُ جلَّ جلالُه في محكم تنزيله:
 (نزَلَ به الرُّوحُ الأمينُ على قلبكَ لتكونَ من المؤمنينَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ).

يعلق الإمامُ ابنُ تيمية على الآية الكريمة قائلًا :(فإنَّ اللسانَ العربيَّ شعارُ الإسلامِ وأهلِهِ).
"اقتضاء الصِّراط المستقيم" ص٢٠٣

فيالهناء طالبِ اللغةِ العربيَّةِ وبالسعادة أهلها وجمالِ حظِّهم ووفور علمِهم.

إرسال تعليق

0 تعليقات