على قيد الحلم





بقلم نعمت العيسى






جلست عائشة تحيك ثقباً في ثوب طفلها
 وتدندن لحناً قديماً اعتادت سماعه أيام الزمن الجميل كما تحب أن تسميه، طارت بمخيلتها أسرابُ الحنين لأيام كانت قطعة من الجنة، كلُّ همِّها فيها الحصول على المرتبة الأولى في دراستها، مدللة أبويها، وكجملة اعتراضية ظهر في حياتها ذلك الرجل، جملة أعادت ترتيب تلك الحياة بمنحنى آخر تماماً، كان كلُّ شيء عكسَ ما حلمت وتمنَّت.

 لكن صبراً صبراً، تجري الرِّياحُ بما لا تشتهي السُّفنُ ، وربَّما بمشيئة الربان تجري السفن، لعلها تستطيع أن تحدثَ تغييراً في مكان لم يكن يُخالُ لها وجود مثله في العالم، فقد خرجت من قطعة الجنة إلى زاوية خاصَّة من جحيم الأرض، لم يكن وجودُها فيه مستحباً.

 عجباً ! وكأنَّها من فرضت نفسها، حيثُ كانَ كلُّ شيءٍ مختلفاً عمَّا أَلِفَتْه، يحلو لها أن تسميَ عالمها الجديد العالمَ السفليَّ، إذ إنه يحوي كل أصناف القذارةِ البشريةِ ورعوناتها، جهلٌ وتخلُّفٌ وسوءُ أخلاقِ وضربٌ وحشيٌّ ونذالةٌ كبرى! لم يصل إلى هذا المكان شيءٌ من الصَّحوة (جاهلية أولى).

لكنَّ كلماتَ والدِها _رحمه الله _ كانت ترنُّ في أذنيها:
(إنه نصيبك وأنت من يصنع الفرق).

 كانت تسبح عكسَ التّيّار بأمواجه العاتية ودواماته المريعة، لِمَ تحتمل كل هذا ؟ لأجل أطفالٍ هم نبضُ قلبها، وفرحةُ روحها.
 ماتت أحلامُها بمستقبلها، فقرّرت أن تُحييه في أولادِها، نذرت نفسها لهم، لم يعد الخذلانُ يؤذيها، ولا الكلماتُ القاسيةُ تُبكيها، تحجَّرَ قلبُها وكُسرت روحُها، وحملت ضغينةَ العالم على هذا المكان وأهله، اعتادت العيشَ في العالمِ السُّفليِّ مقاوِمةً حالِمةً بأن ترتقي بأبنائها، طالبةً عونَ ربِّها، راجيةَ ألّا يذهبَ صبرُها وأملُها أدراجَ الرِّياح. صحَت من خواطرها على وخزةٍ أليمة لم تدر أهي من إبرة الحياكة أم من روحها المتعبة؟

مسحت دمعةً حارّةً بطرف كمِّها، وتابعت دندنتَها "نسَّم علينا الهوى من مفرق الوادي"🍂🥀

إرسال تعليق

0 تعليقات