إنها الحرب




بقلم | محمد حاج باكير




ماذا يعني السَّلام ...؟!!
السَّلام هو المحبة والأمان والودّ هو التفاؤل والاستقرار.
نعيش على أرضٍ دُعيَت بأرضِ السّلام، موطني وموطننا جميعاً.
الأرضُ التي لم ترَ يوماً قَطّ سلاماً، والتي رُويَت بالدماء وتحررت بالبنادق والنار والكثير من الأرواح والدماء.
هنا بلدي الذي يسكنني بدلَ أن أسكنه، الذي يعيش عليَّ لا أعيش عليه، هنا موطني هنا مهدُ الحضارات هنا الخضراء.
أنا شابٌ جامعيٌّ يدرس في كلية الهندسة التي كانت إحدى رغباته في صغره، أمارسُ حياتي بالذّهاب إلى الجامعةِ، وقد وضعت روحي على كفّي، أنا والكثير من الناس، أمتشقُ أقلامي وكتبي ومحاضراتي وأمضي في طريقي.
الطريق الذي شَهِدَ على دويِ الصواريخ وهدير الطائرات، ألقي التحية على البقّال جارنا وأكملْ.
الطرق محفّرة من آثار الغارات الجويّة التي تفرغُ حمولتَها بين أهلها!
 (من المؤلم أن تكتشف أن مَن يفترض به حمايتك، هو نفسه قاتِلك، وأن يصبح وطنك مصدر غربتك، وتشرذُم أبنائه).
ورغم الغلاء وقلة الأموال يكتظُّ بائع الكعك والفطائر بالمشترين. الحياة ستمشي معنا أو علينا، صحيحٌ أنها قاسية، لكن علينا التعايش معها وتقبّلها بصورتها.

في بلدي يخرج المرء من منزله متوضئاً، لأنه لا يعلم ما المخبأ له، هل سيرجع إلى البيت محمّلاً أو محمولا؟!
يضع روحَه على كفّه محارباً لُؤم الحياة.
في بلدي أيضاً مَن يدَّعي النضالَ ويدَّعي الإنسانية، يسرق البلاد ويعيثُ فيها الفساد كالرشاوي وما يسمّى الواسِطة وغيرهم الكثير (القوي يأكلُ الضعيف)
الأخلاق والمبادئ باتت شيئاً مفقوداً ممسوحاً من الحياة ومن الناس.
كنا صغاراً نحلُم بالحياة، مليئِين بالحيوية، نتمنى أن نكبر.
 أمّا الآن نتمنى لو أننا لم نكبر.
في بلدي لا بدَّ من أن ترى طفلة أو طفلين يحملان علبة من البسكويت ويطلبون منك الشّراء، ثيابهم رثة، ووجوههم متّسخة مغبَّرة.
لمَ كلُّ هذا الظلم يا وطني...؟!
في بلدي حينما تذهب إلى السوق عليك الحذر.
في بلدي يشِيبُ الوِلدانُ، ويدفنُ المشِيب ابنه الشابّ.
هي الحرب، الحرب التي حلّت سخطَها علينا.....
النصر في هذه الحرب ليس حكراً على الثورة، فكلٌّ منّا له انتصاره الخاص، كالأم التي أودعت ابنها الحرب (الجهاد)، يكمن نصرها بعودة ابنها سالماً، وكذلك مَن ترك محبوبتَه على حافة الانتظار ورحل، والجامعيّ الذي لا يعرف مصيره وإلى أين سيرْسو، وظروف الحرب تعيق العلم وتسدُّ السُبُلَ!
في الحرب معارك جانبية أيضاً، فكلُّ إنسانٍ له معركته الخاصة ينتصر فيها وحده، بغضّ النظر عن الحرب الأساسية، والتي هي الثورة على النظام الإجرامي.
وأنا معركتي الجانبية هي الجامعة والحياة بسلامٍ مع الأهل والخلان، وإذا ما انتهت الحرب وخسرت الجامعة سأكون
مهزوماً مع نفسي ومنتصراً مع الجماعة!
الخوف من المجهول يسود الأرجاء ويُبقي غمامةً سوداء في سماء الأرواح.
في بلدي تكمن التفجيرات التي تسلب منّا الحياة.
 ما ذنبنا؟!!
ذنبنا أننا أردنا العيش لكنّ الحياة لم ترضَ بنا.
في بلدي ماتت الحياة، حتى إن صرخات اليتامى والثكالى والأرامل لم تحرك بها شيئاً، والموت هو السيّد المتربع فوق كلّ شيء!
الحياة أمست ضيفاً عابراً منكّس الجبين، لكن رغم هذا كله، لازال في جوفنا بريقٌ من أمل فنجومنا لن تخبو ولن تنكدر، وأحلامنا لا زالت تقاوم سُوطَ الواقع وحكم القدر.
ربيع العمر خريفه وخريف العمر ربيعه، تخالطت فصولنا وتخالطت مشاعرنا، وحب الحياة يجري في عروقنا، لا نستسلم لمعوقاتِ الوصول ولا لعثرات الحياة، نضجنا وكبرنا وشربنا الآلام وتجرعنا العذاب منذ الصغر، هذا كفيل بأن يكون لنا مناعة من الحرب.
نحن الحالمون الصامدون المعمرون جسراً فوق بحر الدماء وحطام الطائرات، المبحرون نحو الحلم السرمديّ، المتمسكون بعقائدهم ودينهم، والمكتملون بأخلاقهم ومبادئهم.
هذه بلدنا ولن نتركها رغم ما فعلته بنا وليسمع كُلّ طغاةُ العالم أنَّ لنا فجراً حالماً وغداً سالماً وربيعاً قادماً.

إرسال تعليق

0 تعليقات