بكم بعتَ صاحبك؟!





بقلم علا  بركات






"ابن الأثير لخَّص الصَّداقة في جملة عظيمة تقول:
“الصَّديق من ماشى أخاهُ على عرَجِه، إن رأى سيئةً وطِئها بالقدم، وإن رأى حسنةً رفعها على علَم.”
روى أحد كبار السِّنِّ من حكماء الرِّجال مثلاً على شكل حوار بين شخصين.
قال الأوَّل: بكم بعتَ صاحبك ؟؟
رد عليه الثَّاني: بعته بتسعين زلَّة.
فقال الأول: أرخصتَه، بعتَه بثمنٍ بخس.
تنهدتُ ورُحتُ أتأمَّل المثل كثيراً، وأوقفتني معانيه ودقته، أصِبتُ بالذُّهول من ذلك الصَّديق الذي غفر ومحى لصديقه تسعاً وثمانين زلَّةً ثمَّ ماذا.. !

ثمَّ بعد زلَّته التِّسعين تخلَّى عن صداقته، أصبح غيرَ مهتمٍّ لأمره، غيرَ مبالٍ به
وذهلت كثيراً من الشَّخص الآخر الذي لامَه على بيع صاحبه بتسعين زلَّة فقط، لأنَّه ثمنٌ زهيدٌ بحق صاحبه، وكأنَّه يقول تحمَّل أكثر، تجلَّد أكثر، الزّلاتُ التّسعون ليست ثمناً كافياً لصاحبك، لقد أرخصت من قيمته، وبعته فقط بزلات معدودة، بهفوات غير مقصودة.

 واعجبي أيلومه على أنَّه لم يتصبَّر أكثر؟!
أيا تُرى كم يساوي صاحبي أو صاحبك من الزَّلات، بكم يبيع أحدنا خلَّه، هل سيصبر عليه ويتحمّله، بل كم يساوي إذا كان قريباً أو أخاً أو زوجاً أو زوجةً .. والمصيبة الأعظم بكم زلَّة قد يبيع أحدنا أمَّه أو أباه ..؟
إنَّ من يتأمَّل واقع عصرنا اليوم ويرى أحوال النَّاس في المجتمع والقطيعة التي دبَّت سيجدُ مَن باع صاحبه أو أحد والديه أو كلاهما بماذا ؟!!

بزلَّة واحدة أو بربع زلَّة، وقد يبيع الزُّوج زوجته بأبخس ثمن كأن لم يَرَ منها خيراً قط، وهناك من باع كلَّ ذلك بلا سبب ولا ذنب سوى أنَّه أرضى نفسه وذاته وميوله، أرضى نفساً أمّارةً بالسُّوء وشيطاناً خبيثاً من شياطين الإنس أو الجنّ.
سبحان الله كم في هذا الدَّهر من غريب غير مألوف..
 ما هذه الحال التي وصلنا إليها، البيع كلمة سهلة معناها عميق جدَّاً تعني قلَّة الوفاء وسوء الاختيار.
 واللهِ وتاللهِ وباللهِ إنَّ معاتبة الأخ خير من فقده.
عاتبه كيفما شئت ولكن كن على حذر من فقده.

جاء عن الإمام عليّ رضي الله عنه:
 " لا يكون الصَّديق صديقاً حتّى يحفظ أخاه في ثلاث في نكبته وغيبته ووفاته"
 فالإمام عليّ رضي الله عنه بيَّن لنا ووضَّح أهمَّ خصال وصفات الصَّداقة والأخوَّة الحقيقيَّة التي يجب توافرَها بين الأصدقاء لتكون دائمة وناجحة، فيجب على المرء أن لا يكثر من اللوم والعتاب والصَّخب بينه وبين صديقه، ذلك من أجل الحفاظ على ديمومة الصَّداقة بينهما واستمراريَّة العلاقة الاجتماعية.
والأهمُّ هو أن ينسى ويتغافل عن هفواته وزلَّاته ويتحمَّله ويصبر عليه إذا ورد منه خطأ غير مقصود، وأن يستر عيوبه وينشر محاسنه ويقبل اعتذاره ويسامحه ويصدِّقه ويثق به.
فلقد عظمت منزلة الصَّديق حتَّى إنَّ أهل النَّار يستغيثون به ويدعونه ليشفعَ لهم.

فقال الله تعالى: (فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم).
 فالصَّداقة كنزٌ حقيقيٌّ وعملةٌ نادرةٌ لا يمكن أن تخسر أبداً، فإذا ظفرت بذي الوفاء فحطَّ رحلك في رحابه، يرعى ودادك، ويتوجَّع إن شكوت، كأنَّ ما بك بعض ما به، وإذا أغضبته كان الحلم رد جوابه، نظيفُ السَّريرة مخلصٌ صفيُّ التآخي.
الصَّداقة نعمةٌ ربَّانيَّةٌ يقذفها الله عزَّ وجلَّ في أفئدة المخلصين الأصفياء، فهي ملاذ وسكينة تسكن إليها النُّفوس وتهفو إليها القلوب لتقود بعضها لسبل الخير.

 يكفينا قول الشَّافعي:
"سلام على الدُّنيا إذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد منصف"
تُرى هل سنراجع مبيعاتنا من الأصدقاء والأقارب والأهل؟
 هل سنصحو وندركُ أنَّنا فرَّطنا بهم بأثمان زهيدة لا تناسب قدرهم وجوهرهم، وبعنا الثَّمين بلا ثمن؟
إنَّ القيمةَ الحقيقيَّة لأيِّ شخصٍ تربطك به علاقة لن تظهر إلَّا في حالة فقدانك له بالموت.
 فارفعوا أسعار من لا يزالون قريبين منكم، لا تبيعوا علاقاتكم ولا تزهدوا بها مقابل عدد من الزَّلَّات مهما عظم هذا العدد ومهما استثقلتموه.
واعلموا علم اليقين أنَّ الله يحب العافين فكونوا منهم.  

إرسال تعليق

0 تعليقات