أيُّها البائسونَ منْ أنتم؟




بقلم نسيم خليفة



أبناءُ السماءِ المَرميّون في تلكَ البقعةِ البيضاءَ الفارغةِ منْ معالمِ الحياةِ، المقيَّدون بقيودِ العجزِ والمقتِ،المسجونونَ في غيرِ أوطانِهم دونَ دفءٍ ومكانٍ يَقيهم مُهلكاتِ الفصولِ التي تُذيقهمْ ألوانَ العذابِ بحرِّها وبردِها، لا حولَ لهم ولاقوةَ ، المَنفيِون منْ بيوتِهم دونَ ذنبٍ، المغضوبُ عليهِم من قِبل الناسِ والأرضِ والسماءِ، حتى هذه المساحةُ المحدودۃُ التي باءتْ تَؤوينا في كلِّ حينٍ تقضمُ روحًا مِنّا دونَ رحمةٍ، نحنُ القابعونَ في اللاشيء، والعالقونَ في المنفَى بأجسادٍ ليستْ أجسادَنا وأرواحٍ خاليةٍ من البهجةِ، ربما لستُ أعرفُ من نحنُ حقًّا،أحسبُ أنّ الأرضَ تعثَّرتْ بنا وتركتْنَا حيثُ كنّا، ولمْ نعدْ نعرفُ بأيِّ بقاعِ الأرضِ نجدُ أنفسَنا.

نحنُ المَنسيّون في العراءِ، نصارعُ الموتَ كلَّ يومٍ ليهزمَنا قسرًا ويُفجعُ قلوبَنا بسرقةِ أطفالِنا من دونِ رحمة!
 أليسَ من الظلمِ أن  نُقتلَ جوعًا وبردًا بينما تعيشُ الحيواناتُ في أماكنَ أخرى متوفرًا لها كلَّ مقوماتِ الحياةِ، لتنعمَ برغدٍ وأمانٍ أفضلَ مِمّا نعيشُه!؟

ياصديقي أعرفُ جيدًا أنّ الموتَ واحدٌ مهما تعددتِ الأسبابُ ولكنّ الأمرَ هنا مختلفٌ تمامًا ليستْ مشكلتُنا مع الموتِ نفسِه، المشكلۃُ الحقيقيةُ تكمنُ في الأسلوبِ الذي نموتُ به!
في القهرِ والعجزِ الذي يتملَّكُنا عندما لا نستطيعُ أن نحميَ أطفالَنا من البردِ القارصِ!
أليسَ هذا أسوأِ شيءٍ يعيشُهُ الإنسانُ في الدنيا؟!

صدِّقني هنا تكونُ ذروةُ الألمِ،  حتى أرواحُنا معلقةٌ في تلكَ البقعةِ من الأرضِ المهجورةِ التي كانتْ مكانَ الأمِّ لنا، تحمينَا من بردِ الشتاءِ وتَقينا حرّ الصيفِ.
حيثُ كنَّا ملوكًا أعزاءً أقوياءً، ورغمَ الجراحِ والقتلِ الذي لاقيناهُ فيها، ما امتلكَنَا الضعفَ أبدًا وما عرِفنا طعمَ الهوانِ ،كنَّا نُلملمُ شتاتَ قلوبِنا الحزينةِ ونمسحُ عن مُقلتيْنا دموعَ الفقدِ راضينَ بقدرِ اللهِ، ولكنْ في هذا الوقتِ كان لديْنا وطنٌ وبيتٌ، نعيشُ كَكلِّ البشرِ لانموتُ غرقًا وتيهاً وهمًا.

المشكلةُ الآن ياعزيزي أنّنا فقدْنا كلَّ شيٍء، حتى تلكَ الأوطانِ التّي تركناها خلفَنا مسحتْنا منْ قاموسِها لتأويَ سكانًا لا يستحقونَها.
 تلكَ الأرضُ التي سقينَاها بدمائِنا تخذلنا _ ويالقسوةِ هذه الخيبةِ_ لنظلَّ مَنفيّين مع بقايَا وطنٍ لاسبيلَ للوصولِ إليهِ.
من يدِّثرُ أرواحَنا الباردةَ هذه كلُّ دفءِ الكونِ عاجزٌ عن إنعاشِنا، مُتعَبون نحنُ بوطنيّتِنا ياعزيزي، تسألني من نحنُ إذًا!
تريدُ أن تعرفَ أكثر؟
 نحنُ المحكومُ عليهم بالإعدامِ شوقًا لأوطانِهم حتى الموتِ.

إرسال تعليق

1 تعليقات