وحشة ذات



بقلم عمرو بكور






بكفين هزيلين على وجهٍ شاحبٍ ذي عينينِ مفتوحتَين بخوفٍ، أو ربما بألم! ، كنتُ أقفُ على جسرِ المصائبِ وحدي بلا رفيقٍ يخففُ وحشةَ دربي. أرى حولي أُناساً جددوا عهدهم لبعضهم البعضِ، بالسير معاً على حلوِ الحياةِ ومرِّها، وآخرينَ يتبايعونَ على الإخلاص فيما بينهم أبدَ الدهر، فوقَ هذا الجِسر؛ مَن صَدَقك في وقتِ الشِّدة، سيكونُ معك في وقتِ الرّخاء لا محالة..

ذلك الغروب أراهُ كابوساً مخيفاً، بأجواءٍ أطبقَ الصمتُ عليها، تخترِقُها أصواتُ ضربِ الموجِ بخشباتِ الجسرِ الهزيل، وصفيرُ الرّياحِ يتسلّلُ بينَ الخَشَبةِ والأُخرى، مُصدراً بُرودةً في الجوِّ تملأُ النفسَ بالخوف.

 ترتسمُ بعضُ الأشكالِ المرعبةِ بالغيمِ المُشبعِ بالاحمرار، المنعكس مِن ضوءِ الجحيمِ بالشمس، وكأنّه الغضبُ في السماء.
كنتُ وحدي خائفاً، في ذاتِ المنظرِ الذي يَراهُ العشّاقُ ورُفقاءُ الدروبِ برومنسيةٍ خالصة، وجوٍّ مناسبٍ للإفصاحِ عمّا في القُلوب، وتثبيتِ وجَفاتِها بإسنادِ الكتفِ بالكتف والتحامِ اليدِ باليد. هكذا تَهونُ الصّعاب، وهكذا يكونُ الصّحاب.

ضاقتْ بيَ جمجمةُ رأسي، حتى ظَننتُها ستَنفجر، حاصَرتْني الذّاكرة من كلِّ مَدخل، واعتَصَرني الأَلم.
صرختُ حتى هاجَ البَحرُ مِن حرقةِ صوتي: آآآهٍ، أعمقَ من قاعِ المحيط.!
لا أدرِي أصرختُ أنا، أمْ أنّ قلبِي هوَ مَن صرخَ بهذهِ الشدةِ، وأطلقَ العنانَ لروحِي لتُعانقَ أبوابَ السماء.
فبَعدَ لوعةِ الفراق، كَوَتهُ الذِّكرى ألفَ مرّة، وعِشتُ بأطلالِ جَسدٍ، وبقَايا قلبٍ، وهَشِيمِ روحٍ.

تائهٌ أنا في دُنياي، مريضٌ أَصابَه اليأسُ من حالتهِ، فَقدتُ مَعنى الحياةِ مُذ رَحلوا، فبِبُعدهِم عَنّي صَارتْ الآلام تَهدُّ ظهري..
وَحيدٌ أنا، ضَحيةُ الهوَى، أُكابدُ في هذهِ الدُّنيا، أصارعُ أفكَاري فِي مُخيّلتي وتقتُلني ولا أقتُلها، وأصرخُ فِي وجهِ الزّمانِ:
 مَتى أموتُ؟ متى؟!
 لا عزاءَ لعاشقٍ إلا الرَّدى!.

إرسال تعليق

0 تعليقات