لنكبر مع الكتاب






بقلم | نيرمين خليفة



تُسابقُ الأيَّامَ وهي في سعيٍ حثيثٍ لالتهامِ الكتبِ والتَّزود منها بأكبرِ مخزونٍ من الأفكارِ والمعلوماتِ، تعيقُها مشاغلُها ومتاعبُها، أفي وقت متأخر من العمر يبقى الكتاب أنيسها الوحيد؟.

هذا حالي وحال كلِّ مَنْ لم يتَّخذ الكتابَ صديقاً في الصغر، نعم كنت من المتفوقين في مدرستي وكليتي ولكن لا يمكن أن أعدَّ كتب المقررات الدراسية وجبةً كافيةً ومتكاملةً للعقل الإنساني الذي خلقه الله بقدرات لا محدودة، وأمره بأن يقرأ، حيث كان هذا الأمر الأول والكلمة الأولى التي حملها جبريل -عليه السلام- لينزل بها على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الأمر بالعلم والسَّعي في طريقه، الجهاد والمجاهدة في امتلاك نواصيه، كان النِّداء الأول الذي نزل في الرسالة الخاتمة، وأداة اكتساب العلم وتدوينه وتطويره هي القراءة ومن ثم الكتابة، ولا يخفى على عاقل أهمية القراءة في تنمية الجوانب العقلية والانفعالية في شخصيَّة الفرد، كما أنَّ لها دوراً بارزاً في امتلاك نواصي اللغة، وازدياد التمكُّنِ اللغويّ لمن يتَّخذها وجبة دورية في يومه.

وتعدُّ السنواتُ السُّتُ الأولى الحاسمةَ في تكوين شخصية الطِّفل وفي تنمية ميوله وتوجيه رغباته، فالواجب العمل على زرع محبة القراءة في نفوس الأفراد في سنٍّ مبكرة، حيث أشار كثير من الدراسات إلى ارتباط عادة القراءة لدى الأطفال بالتفوق الدراسي في مراحل عمريَّة لاحقة، كما أن التعلق بالقراءة في سنٍّ مبكرة يهيّئ للطفل خبرات جديدة تزيد من ثقته بنفسه، وتوسع مداركه، وتزيد مساحة أحلامه وفضاء طموحاته.

إذن على كاهل من يقع عبء تعويد الطِّفل على القراءة، أعلى المدرسة أم على الأسرة ؟

طبعاً تلعب البيئة الأسريَّة الدور الأكبر في تنمية العادات والاتجاهات السَّليمة والطيبة عند طفلها، وخاصة أنّ الطِّفل في سنواته الأولى يتفاعل مع أسرته بشكل أساسيٍّ،  ويمتصُّ كلَّ ما يتمُّ تلقينُه إياه من قبل والديه.

ونشوء الطفل في أسرة قارئة مشغولة بتحصيل العلم يزيد شغفه في القراءة، كما أن وجود مكتبة منزليَّة أمر مهم جداً لتحبيب الطفل بالقراءة، بالإضافة إلى تخصيص مكان مضاء وجميل لممارسة القراءة، والعامل الأهم هو الحوار الثقافي الذي يجب أن يدور بين الطِّفل وأهله حول الأفكار التي يقرؤونها.

وهناك عدة أساليب يمكن أن يتبعها الوالدان لتحبيب الطفل بالقراءة منها:
شراء القصص المناسبة لعمر أطفالهم، اختيار الكتب والقصص ذات الأسلوب السهل، التدقق في نوعية الكتب والقصص التي يختارونها لأطفالهم، توفير الكتيبات والقصص التي تجيب عن أسئلة الطِّفل حول الخلق والطبيعة والحياة والناس، اختيار القصص التي تغرس في نفوس الأطفال المعاني الإيمانيَّة وحبَّ الله تعالى وحبَّ رسوله. 

كما تتحمل المدرسة قسطاً من مسؤولية تحبيب القراءة للأطفال، حيث إنَّ اكتظاظ أوقات الطلاب بالمواد الدِّراسية والمناهج الثَّقيلة حرمهم من فرص القراءة الحرَّة والمشوقة، ويمكن للمدرسة أن تساهم بتنمية هذه العادة لدى الأطفال بتزويد المكتبة والفصول بأعداد كبيرة من الكتب التي تناسب المراحل العمرية للأطفال وتحتوي على مواد مشوقة تجذب الطفل كما يمكن أن تكون امتداداً للكتب والمناهج المدرسية بمواضيعها ونوعيتها.

قد يقول الكثيرون: إنني حاولت بما فيه الكفاية لزرع حب القراءة لدى طفلي ولكنِّي لم أفلح، ويقول آخر كيف لي أن أقنع ولدي بترك اللعب واللهو ليقرأ كتاب أو قصَّة، بالإضافة إلى تفضيله مشاهدة هذه القصة على شكل برنامج مرئي في اليوتيوب.

 ويمكن أن يكونَ الحلُّ ببعض الممارسات، فكثير من الاهتمام الذي يجب أن يوليه المربون لأطفالهم، ولمشاركة أطفالهم القراءة دور كبير في تحسين علاقة الطفل بالكتاب وبوالديه أيضاً. كما أنَّه من المهم أن يختار الطِّفل الكتب التي يرغب بقراءتها هو بنفسه ويمكن أن يتدخل الأهل إذا وجدوا الحاجة لذلك، كما ويمكن أن يكون الكتاب أجمل هدية يتلقاها الطفل من والديه، ترسِّخ لديه قيمة الكتاب وتوثِّق صلته به. وكذلك يجب أن تدخل القراءة في روتين الحياة اليومية للطفل، يقرأ ولو جزءاً يسيراً كل يوم. إنَّ التشجيع الذَّكي للطِّفل مفتاحٌ سري تغدو معه عادة القراءة شيئاً أصيلاً من عاداته وسلوكياته.

 احتفل ببداية صداقة طفلك مع الكتاب وابتهج به، بادره بالحماس وأوقد في نفسه روح التحدي واثبات الذات لعلَّ تلك الصَّداقة ترسخ وتقوى وتُنبت كلمات نورانية تُثقل ميزان حسناتك .

إرسال تعليق

0 تعليقات