ثقافتنا العربية ما الغبارُ الذي طمسَ معالمها؟








بقلم | نبيل غياث شحادة


هل هي مجرَّدُ ظاهرةٍ عشوائيَّةٍ بالصُّدفةِ فقط؟
 اسمحوا لي أنْ أحدِّثَكم عن حالِ أمَّتنا العربيَّةِ، وما الذي حلَّ بثقافتِها العظيمةِ وتراثِها الرَّفيعِ.
 لقد أصبحَتْ أمَّتُنا۔ ومعَ الأسفِ مهروعةً إلى معاهد ِالعلمِ والثَّقافةِ الغربيَّة، ِبلْ باتَت ْأقربَ إلى عقلِهم وذوقِهم ونفسِهم، ولا يعرفونَ أنَّهم يريدونَ منَّا أنْ ننسى ماضيَنا الحافلَ، فنعيشَ بلا ماضٍ، حتَّى إذا استيقظْنا لمْ نجدْ ماضيَنا لنبنيَ عليهِ حاضرَنا ،وتناسَوا أن َّالثَّقافةَ العربيَّةَ هي مبتدأُ جميع ِالحضاراتِ قاطبةً دونَ استثناءٍ، وهي المشربُ الذي شربَتْ منهُ الثَّقافاتُ الأخرى بلا شكٍّ.

يقولُ العلَّامةُ محمود شاکر۔ رحمَهُ الله۔: ُ(ومِنْ بلاء ِالأُمَمِ الضَّعيفةِ بنفسِها أنَّ انبعاثَها إلى التَّقليدِ - تقليدِ القويِّ - أشدُّ من انبعاثِها لتجديدِ تاريخِها بأسبابِ القوَّةِ التي تدفعُ في أعصابِها عنفوانَ الحياةِ...).

 وقدْ أشارَ الدُّكتور محمد محمد حسين ۔رحمَهُ الله - قبلَ أكثرَ منْ ستِّينَ سنةٍ إلى أنَّ الانكبابَ المُشَاهَدَ مظهرٌ من مظاهرِ الاستيلاءِ الغربيِّ على الثَّقافةِ، وتغلغلِها في صفوفِ المسلمينَ العربِ ،لِيُحْدِثَ التَّغييرَ من الدَّاخلِ في قولبةِ الإسلامِ وفقَ الأهدافِ والرَّغباتِ الغربيَّة، وأسوأُ ما يدَّعيهِ أولئكَ المثقَّفونَ المستغربونَ التَّجديدُ في الثَّقافة، ِولَيْتَهم عرفوا الثَّقافةَ لِيجدِّدُوها.

فليسَ لأمَّة ٍمنَ الأمم ِما للأمَّةِ العربيَّةِ منْ تنوُّعِ العلومِ والمعارف، والتَّفنُّنِ في التَّصنيفِ والتَّأليفِ والتَّقريب، فلا يخلو بابٌ من أبوابِ العلمِ والمعرفةِ إلَّا وخطُّوا فيه الأسفارَ ،ووضَّحوا به المُبهَم، وفكُّوا عنه المُغلَق، لقد ْبذلَ أسلافُنا العربُ من الجهودِ الجبَّارةِ في بناءِ ذلك التُّراثِ ما لمْ يبذلْهُ غيرُهم، لقدْ واجهُوا مشقَّةً وصعوبةً معَ قلَّةِ المواردِ و حدَّةِ الظُّروفِ.
 إليك َحجمَ الكتبِ والأبحاثِ التي تركَها أسلافُنا في مختلفِ المعارفِ وصلَتْ بالتَّقصِّي والتَّدقيقِ إلى ثلاثِمئةِ علمٍ، أحصاها طاشکبری زاده في كتابِه «مفتاح ُالسَّعادة»، وهذا ما وصلَ إليه هو.
 ذكرَ (جيبون) في كتابِه عن الدَّولة ِالرُّومانيَّةِ أنَّهُ كانَ في طرابلسَ على عهدِ الفاطميِّينَ مكتبةٌ تحتوي على ثلاثةِ ملايينَ مجلَّداً
،أحرقَها الفرنج ُ(سنةَ ٥٠٢ هجريَّةً)، أيُّ جريمةٍ هذه أيُّها الفرنجُ؟

 لا تستغربْ أخي القارِئ ،َفإنَّ لأمَّتِنا العربيَّةِ آلافاً منَ الكتبِ في تراجمِ العظماءِ وطبقاتِهم، وسِيَرِ السَّابقينَ منَ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ والسَّلفِ والقرَّاء ِوالفقهاءِ والقادة ِوالأمراءِ والأدباءِ والشُّعراء، ِودوَّنُوا في أخبارِ العقلاءِ والمجانينَ والحمقى والمغفَّلينَ، کما أنَّهم دوَّنُوا في أخبارِ الأذكياءِ والنَّابغينَ والنَّاجحينَ والعظماءِ... لمْ يتركُوا شيئاً إلَّا ودوَّنُوا فيهِ الكمَّ الوافي.

لو نظرْنا إلى حياتِنا اليوم َلَوجدْنا الانصرافَ شبهَ التَّام ِّعلى الكتبِ الغربيَّة هذا في جانبِ القرَّاء۔ ونجدْ أنَّ الثَّقافةَ العربيَّةَ بدأَتْ تُطمَسُ في غُبارِ ومعالمِ الثَّقافةِ الغربيَّة، مع َكثرةِ ووفرةِ ما فيها من العلومِ والمعارفِ.

 تجدُ الآنَ في شبابِنا العربيِّ الكثيرَ منهم يعرفُ عن «نابليونَ» الكثيرَ، ولا يعرف ُشيئاً عنْ «عمر َرضيَ اللهُ عنه۔» سوى اسمِه وأنَّهُ خليفةٌ من الخلفاءِ الرَّاشدينَ، ويحفظُ تاريخَ «جان دارك» عن ظهرِ قلبٍ، ولا يحفظُ كلمةً عنْ «عائشة َوخديجة» رضيَ الله ُعنهُم.
أليسَ من الأولى لك أيُّها العربي ُّأن ْتعرفَ كلَّ شاردة ٍوواردةٍ عن سلفِكَ العربيِّ أكثرَ منْ سلفِهم الغربيِّ ؟
أليسَ لزاما ًعليكَ كعربيٍّ معرفةُ معالمِ وتاريخِ النَّهضةِ العربيَّةِ التي تَعِبَ فيها أجدادُك وأسلافُك وعلماءُ أمَّتِك، َحيث ُبذلُوا فيها الغاليَ والنَّفيسَ من أجلِ قادمِ أجيالِهم؟

نجدُ ۔ومعَ الأسفِ - أنَّ الشَّبابَ العربيَّ المسلمَ عمدَ إلى الغربِ لِيأخذَ منهم التَّاريخَ والأدبَ والمعارفَ معَ وفرةِ ما يحتاجُه في أمَّتِهِ العربيَّةِ وتراثِها، ولو بحثَ لَوجدَ.
 ختاماً لا نقولُ بفسادِ علم ِالغربِ وعدمِ صحَّتِهِ، بلْ يُسْتَفَادُ منْ كلِّ العلوم ِوكلِّ الحضاراتِ وكلِّ الثَّقافاتِ...
 لكنَّ أمَّتي العربيَّةَ وثقافَتَها أولى باهتمامِي من غيرِها.

إرسال تعليق

0 تعليقات