كتاب : الطّبّ الإمبرياليّ والمجتمعات المحليّة


بقلم | أحلام وتار


         في زمنِ النّكسةِ النفسيةِ والفكرية، وفي ظل سيطرة النُّخب الفكرية المهزومة فكرياً أمامَ الغرب على مقاليدِ الثّقافة في بلادنا، أصبح الكلام عن "النّهضة" الاستعماريّة الّتي جاءَت مع المدافع الغربيّة هو حديثُ تلك الفئات، الّتي ما فتأت تبثُّ روحَ التبعيةِ للغرب في نفوسِ عامّةِ النّاسِ، فما النّهضة الّتي جاءت مع المدفع؟ وهل امتلكَ قلبُ المستعمر الرّحمةَ وهو يسفكُ الدِّماء ويهتك الأعراض، فنبتَت على راحتيه الملطّخة بالدّماء زهورُ التَّنميةِ والتَّحديث للسكان المحليين في مستعمراته!

        إنَّ هذا الكتاب الرَّائع الّذي قام بتحريره "دافيد أرنولد" ومجموعة من الكتّاب الغربيين، يدلّل بشكل قاطعٍ وحاسمٍ ومن خلال دراسة "الطب" في مستعمرات الإمبرياليين على أنّ التّنميةَ قد تأتي عرضاً بغرض نفع الإمبريالي أولًا، وأنّ فكرةَ وجود مستعمِرٍ يهدفُ إلى نفعِ أهالي مستعمرته بشكلٍ مباشر هي فكرة خياليّة وساذجة، فمنطقُ الاستعمار هو المنفعةُ لنفسه والّتي قد تأتي بمنافع جانبيّة قد يستفيد منها الضّعيف، هذه الصّورة قد تخدعُ البعضَ كما خدعت "ماركس" و "إنجلز" عندما ظنّا أنَّ الاستعمار يقومُ برسالةٍ تمدينيّة.

         يؤكِّد دافيد أرنولد ورفاقه في هذا الكتاب أنّ كلامَ السّذّجِ عن النهضة الطبيّة الّتي أدخلها الاستعمارُ إلى البلادِ المحتلّةِ كتبريرٍ وتسويغٍ أخلاقي لهذا الاحتلال، كلامٌ غيرُ صحيح وغيرُ معقول تماماً، فالطّبُّ كان وسيلةً لنقل الأفكار الإمبرياليّة، وهو أيديولوجيّة بقدر ما هو تطبيق، ومن ثمّ يركّز الكتاب على القرنين التاسع عشر والعشرين بوصفهما يمثّلان فترةَ تغيّر خطيرة بالنسبة لتَّاريخ الطِّب الغربي.

        فالشاغلُ الرئيس للدراساتِ المتنوعةِ في هذا الكتابِ لا يتعلق بالمرضِ والطّبّ في حدّ ذاتهما بقدر ما يتعلّقُ بالفائدة من استخدامهما، فمؤلّفي هذا الكتاب ينظرون للطّب والمرض على أنّهما محدّدان لعلاقة السلطة الإمبرياليّة والعناصر المكوّنة للاستعمار.

       هل كان التدخلُ الطّبّي الاستعماري من أجل سواد عيون الأهالي! هذا هو السؤال الّذي يدور حوله الكتاب بكل أبحاثه، الّتي تؤكّد أنّ التدخلَ الطّبّي المتزايدَ كان بسببِ إدراكِ إدارة المستعمرات بأنّ صحةَ الجنود والمدنيين الأوروبيين لا يمكن تأمينها من خلال إجراءات توجّه إلى صحتهم هم وحدهم، ومن هنا أخذ البريطانيّون على عاتقهم مسؤوليّة صحة السّكان المحليين.

         وفي ضوءِ هذا الفكر اهتمّ الاستعمار بصحةِ أفراد قوّة العمل الّتي تجني الثّروة من المستعمرات، فبسبب تأثّر الإنتاجيّة الزراعيّة في مستعمرةِ الهند في أواخرِ القرن التاسع عشر بسبب تكرّر الأوبئة والمجاعات؛ مما هدّد دخلَ الحكومة، قامت إدارةُ المستعمرة بالاهتمام الطّبّي بصحّة العمّال، وممّا يدلّل عليه الكتاب بأنّ هذا الاهتمام الطّبّي بالمستعمرات  "مُجزّأ" و "انتقائي" وأنّه كان منصباً على مجمّعات التّعدين والمصانع والثّكنات، في حين كان هناك إهمالٌ عامّ للسّكان الريفيين.

          لا يغفل الكتاب ذكرَ أنّ "الطب" كان يستخدم في الحملات التّبشيريّة، وعلى حدّ قول المبشِّر "سميت" أنّ التّعصب ضدّ المسيحيّة، لا يمكن هدمُه إلّا بإظهار التّعاطف لما يحدث من آلام الجّسد، وهو ما فعلته إرساليّات التّبشير في تيوزيلندا مع الماووريين.

          حتّى إنشاءُ المصحّات النّفسيّة كان بغرض خدمة الاستعمار أولًا، فيؤكد "والترود إرنست" أحد محرري الكتاب أنّ احتجازَ المجانين في المصحّات كان له علاقة بالانضباط العسكري، فهم كانوا بنظرهم عنصراً فوضوياً، بل يؤكّد الباحث أنّ الخطابَ المعاصر عن (إنّ مصلحةَ المجانين نموذجٌ رائع للمبادئ الإنسانيّة البريطانيّة في الهند) يبدو خطاباً متسماً بالمبالغة عندما يقارَن بالعدد والحجم الضعيف للمصحّات.

          يؤكّد الكتاب أيضًا أنّ مكافحة البريطانيين للجدري في الهند لم يكن ناتجاً عن أية دوافع إنسانيّة، وأنّ مجهوداتهم كانت لحماية حياة الأوروبيين، وليس الهنود الّذين قاوموا برامجِ التّطعيم البريطانيّة ضدّ الجدري؛ بسبب خرافات وهلاوس هندوسيّة.
           وفي الفلبّين يرى القوميون أنّ من نعيم الحكم الاستعماري الأمريكي أنّه أنشأ نظاماً لصحةِ البيئة أنقذ به ما لا يُحصى من أرواحِ أهل الفلبين! مع أنّ مرض الكوليرا كان يحصد الأمريكان والفلبينيين على السواء، ومن هنا بدَت الحربُ الأمريكيّة على الكوليرا إنقاذاً لحياتهم أولاً، وكذا اهتمامُ البريطانيين في مصر بدراسة وتشخيص البلهارسيا بهدفِ حماية القوات البريطانيّة من العدوى، وليس من أجل سلامة الفلاح المصري.

            هذا الكتابُ مهم لدحض أوهام كل من يعيش في غيبوبة التّنميّة الاستعماريّة، بوضع هذه التّنميّة وهذه المجهودات في إطارها الصحيح، وهو الإطار الّذي تُقرأ فيه مجهوداتُ البلجيكيين لمقاومة مرض النوم في الكونغو، أو عملية الدّمج العرقي الّتي قامت بها القوّات البريطانيّة في نيوزيلندا وغيرها.


لتحميل الكتاب اضغط هنا 

إرسال تعليق

0 تعليقات