فراقٌ ثم لقاءٌ من نوعٍ آخر





بقلم | خالد العمر






بدأت روايتُنا حين مددنا أذرعنا لاستقبال ريعان الشّباب، حين كانت تسري في عروقنا تلكَ الأحلامُ التي لطالما نسجنا خيوطَها الحريريةَ بخيالنا الخصب، مودّعين الطّفولةَ ومُعدّين العدَّةَ لاستقبال المرحلة التّالية بكلّ حماس، كلٌ منا أنهى دراسته الثّانوية أو على وشك أن ينهيَها ليعلن بعدَها انتسابَه لإحدى القوافل العلميّة، ويوقِّع العهدَ الجديدَ مع ابتسامةِ فوزٍ متواضعٍ يبدأ معها المسير في طريق واضح مبارك.

ثمّ كانت الصفعة التي غدرت بأحلام الشّاب فينا، وأيقظت أواخرَ الطّفولة على ظلام المسؤوليّات الكثيرة التي تقلدناها مبكراً.
نعم كان لا بد لأبناء جيلي أن يتكبدوا خسائرَ الثّورة التي فرضَها علينا الظّالم، وغفلنا عنها مدّةً لا يُستهان بها، خسائرَ العلم الذي ضاعَ منّا سنواتٍ عدّة أو الذي نسيناه كلّيّاً يوماً ما، لتتبدّلَ الأحلامُ كلّها، ويصبحَ الحلمُ واحداً عندَ الجميع، أن يعودَ لينهلَ العلمَ من أيّ حوضٍ يحويه تحتَ أيّ ظروفٍ وفوقَ أيّ أرض، على أن يحفظ العلمُ الكرامة التي تحملنا الخسارة لكسبها.

تبدّدَ الحلمُ عند الكثير منا، وكادَ يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ، حتّى لمعَ نورٌ بسيط، ورغم بساطته كان لا بدّ أن نراه وسطَ العتمةِ المخيفةِ التي أطبقت علينا من ناحيةِ العلم خصوصاً، كان ذلك النّورُ "جامعةَ إدلبَ" ولأنَّ " الغريقَ يتعلّقُ بقشّةٍ" لم نأبه بكلّ مثبّطاتِ الهممِ والحواجزِ التي واجهت الكثير منّا، منها ما كان اجتماعيّاً مقيِّداً ومنها ما كان طبيعياًّ فُرض علينا لانغماسنا بشؤون الحياة، لم نأبه، وعُدنا.

أخذت القوافلُ راكبيها، وشرعت بالمسيرِ، وعادت الأحلامُ تلتقط أنفاسَها، وتستعيدُ رونقَها، والنّورُ البسيطُ الذي كانَ قد لمعَ بدأ يكبرُ معنا من جديد.
ولكنّ العيبَ الوحيدَ أنّ الأهدافَ لا بدَّ أن تختلفَ أحياناً، وتتفاوت بدرجةِ نقاوتِها واتجاهِ بوصلتها في أي عملٍ كان، وخاصةً في الغابة التي عشنا داخلَها آخر فترةٍ وتحمّلنا قوانينَها المبتدعة.

ولكنّ الهدفَ الأبرزَ حاليّاً هو حاضرُ البلدِ ومستقبلُها (طلاّبُ العلمِ) الذين لا بدّ أن يتوحّد هدفُهم، وتقوى عزيمتُهم، ويُشّد على يدهم.
بعدَ كلّ ما حلّ بنا لا نريد جهداً عاديّاً ولا دراسةً عاديّةً، ففي هذه البقعة لا شيء حولَنا عاديّ البتة، ولا بدّ أن تصيبَنا العدوى أيضاً، فلا للنّجاحاتِ "بالعافية" ولا للدّراسِة الرّوتينيّة ولا للعلمِ كتحصيلِ حاصل، علينا أن نغيّرَ تلك النّظرةَ التي شوّهت طلبَنا للعلم، وتلك الخرافاتُ عن الذّكاء الفطريّ والدّراسة المرتبطة بالموهبة وعن القدرة المحدودة التي نرمي في خزانتها كلّ فشلِنا لننامَ مطمئنين، ونكونَ شركاءَ في زيادةِ جرح هذه الأرض.

بالجهدُ تستطيعُ أن تنافس من وُلد وفي جعبته المواهبُ العديدة، وتتخلّص من تلك الشّمّاعة التي ترمي عليها كلَ ما يجهدُك أو يحتاجُ نفساً طويلاً منك، وتبدأ لتستعينَ بنفسك لنفسك، وتخرجَ من دائرةِ الدّراسة للوظيفة إلى الدراسة للحياة.
في بلدنا ومع هذا التأخّر الذي ابتُلينا به، نحنُ بحاجةٍ إلى تلك النّقطة من القدرة المتفجّرة التي يجب أن نصلَ إليها في داخل كلّ روحٍ فينا وداخل كلّ فكر.

إلى الحدّ الذي يتقلّدُ فيه كلّ طالب علمٍ شارةَ الحربِ ليصبحَ محاربَ علم، يحاربُ بعقيدةِ المقاتلِ وتفانيه وغايته السّامية، بروحه النّضرة وأسلحته المباركة، بمسيرته التي يبتغي فيها وجهَ الله لينالَ رضاه مبدئياً على الأقل.
المحاربُ في ساحاتِ العلم محاربٌ قديرٌ، لا يُستهان بقتاله أبداً، ولا يقلّ أهميةً عن محاربي الثّغور إنْ تقاسما الغايات ووزعت بينهم الوظائف.

وكي لا ننسى نحنُ منذُ اللحظة التي لعنّا فيها كلّ الظلمة، ودخلنا في حربٍ معهم أصحبنا محاربين، وسنبقى محاربين في كلّ بقعةٍ من أرضِنا وفي كل عملٍ لنا، نحارب كل واقفٍ في طريقنا وكل معادٍ لمسيرنا، نقاتلُ حتّى آخرَ قطرةِ دمٍ ونقطة حبرٍ في سبيلِ النّصر.
النّصرُ على كلّ شيء.
فسلاماً سلاماً لمحاربي هذا البلد.

إرسال تعليق

0 تعليقات