الرماد بعد النار







بقلم | هبة ماهر




جاء دور الرمادِ الذي لم يكُنْ إلا المرحلةَ الأخيرة من بقائي في هذه الأرضِ حتى اللانهايةِ.
كلُّ الوقودِ الذي جمعتُه انتَثرَ في طيّات هذا الكوكبِ، فتحَقَّقَ النصرُ وكلُّ الأماني.

اليوم بعدَ الخَفْقةِ المئةِ ألفٍ أو قد يزيد، اكتشفْتُ أنّ النهايةَ قريبةٌ، وأنَّه قد حانَ موعدُ سماعِ جَرَسِ رحيلِ الجسد.
كان من الواجبِ أنْ أُلَمْلِمَ بقايايَ _بقايا روحي_ من هذا الكوكبِ، لكنّ صافرةَ الرحيلِ كانت أسرعَ من نفوذي.
هنا بالقُرب من وسط الكرة الأرضيّة أنا الفلّاحة الريفيّة كنتُ على قيْد الحياة، أترَعْرعُ في كَنْفِ والدي، نَمَتْ معيَ أشجارُ الصنوبر والتوت وكثيرٌ من الأغنام.

كنتُ أغنّي، وكانت قريتي ترقص.
الربوةُ كانت لصوتي وأنغامِ طيوري.
قبلَ سنةٍ من اليوم ظهرتْ ملامحُ البلوغِ على تفاصيل جسدي، أو كانت بداية قيود الموت لأجل الشرف، وكانت أولى السلاسلِ  التي أحاطتْ بي أنَّنِي نُفِيتُ عن حَنْجَرتي، صار أبي يستاء من غنائي، وراحتْ أمّي تُخرسني.
جاء موعد الرماد بعد الاشتعال!

ساعةُ الرماد بدأتْ عندما اشتراني رجلٌ عجوز بثمنٍ زهيد، وأَقَلّني كسِلعةٍ إلى ضوضاءِ مدينة لم أفهم من أحاجيها أيَّ تفصيل.
دخلتُ منزلَه، كنتُ ابنةَ الثانيةَ عشْرة سنةً، صار يبتزّني بعَقد الشراء، بل أصبح سوطُه يلعب على الجسيمات التي شكّلتْ عَموديَ الفقري.
وذاتَ يومٍ أراد ضربي وإهانتي كعادته، كنتُ حاملاً بوليدٍ صغير، اقتربَ ورفعَ سوطَه تجاه معالميَ الإنسانيّة، أردْتُ إبعادَه للوراءِ، فسقطَ أرضاً والدماءُ استولت على كلّ مساحاتِه.

طفلةٌ في مثلِ سنّي لم تعرفْ ماذا ستصنع بجثّةٍ ثَمِلة ثخينة مثل جثّته ؟!
بدأتْ جيوش الخوف تزحف نحوي، وصرت أبكي، ما هذه الكارثة التي حلّت بي ؟!
فررْتُ هرباً كما فعلتْ (برشينا) في فيلم الأطفال الذي كنت أشاهده.
الليل قادم، والشتاء يكسو ربيعَ الأراضي، وشعري الأصفرُ منحدرٌ من غطاءِ فُصوصِ دماغيي، الجنين داخلَ رحمي بدأ بطلب الطعام، أنا جائعة!

مضى على الجريمة التي فعلتها يومان، لم أعدْ أقوى، الجوع ينزع روحي، والخوف يعتريني.
مدينةٌ فظّة كظّة لن تجدَ فيها من يعينك على البقاء دون مقابلٍ تقدّمه له، لا أريدُ أن أقدّم شيئاً.
صعدتُ تلّاً صغيراً، لكنّه لم يشبهْ ربوةَ ضيعتي؛ كان مُحاطاً بأبنيةٍ ضخمة أفسدتْ رونقَه الريفيّ، وقفتُ على ذروتِه وأطلقتُ العنانَ لحَنْجَرتي؛ كأنّه السجين حصل على (المرديكا)، غنّيْتُ لوالدي، للعجوز الذي قتلته بيدي، أنشدْتُ لطفليَ الذي لم يولدْ بعدُ، غنّيْتُ للعالمِ كلِّه، أنشدْتُ بلا توقف حتى جفَّت العروق وماتَ الجسد وتطايرَ الرماد.

رماديَ لن يَفنى؛ كلّما هبّت الريح ستُلقَّح منه الحناجرُ والزهور، الرماد سيصعدُ حيث الأثيرُ، كلّما ظهرت الغيوم سيهطِل الرِّهامُ منه.
الرمادُ بعدَ النار لا ينطفئ، لا ينطفئ أبداً.

إرسال تعليق

0 تعليقات