فئة الشباب







بقلم | يوسف بدوي





لا ريبَ أنَّ الفئةَ الشَّابة َمن المجتمعِ تحتلُّ المراتبَ الأولى من ضمنِ أكثر ِالفئاتِ تأثيراً على باقي الشَّرائحِ المجتمعيَّة.
 وهنا نطرحُ سؤالاً بينَنا وبينَ أنفسِنا أن لماذا ؟  لماذا تقعُ على الفئةِ الشَّابَّةِ الأنظارُ وتنعقدُ عليها الآمال ُ؟ لماذا تهتمُّ المُنشَئاتُ بانتقاءِ كوادرِها على أن يكونوا شباباً ؟ ولماذا تقدِّمُ الحكوماتُ منحاً وتسهيلاتٍ لتلك َالفئةِ من المجتمعِ ؟  ألِأنَّها تتمتَّعُ بالقوَّةِ فقط ؟  أم لأنَّ لديها مستوى أكبرُ من القدرة ِعلى الإبداعِ والتَّصوُّرِ ووضعِ الخياراتِ وطرح ِالحلولِ ؟
 قبلَ أن ننطلقَ ونعلِّلَ ونعدِّدَ تلك الأمور َالتي تجعلُ الشَّبابَ يغترُّونَ بأنفسِهم، أحببْتُ في هذه المقالةِ أن أخمِّنَ لهم لمَ كلُّ ذلك الاهتمامِ الذي يلقَونَه؟ والذي ما هو إلَّا محاولةٌ لترويضِهم وجذبِ كل ِّطرفٍ في هذا العالمِ لهم إلى صفِّهِ، فمع َكلِّ تلك الميِّزاتِ التي ذكرْناها، فيا فوزَ من استطاع َبطريقةٍ ما أو حيلةٍ ما أن يكسبَهم ويستغلَّ قدراتِهم لصالحِ قضيَّتِه أو مشروعِه.
إنَّني _وانا كاتبٌ من الدَّاخل ِالسُّوريِّ وشخصٌ معاصرٌ للثَّورةِ السُّوريَّة_ أذكرُ تماماً في بدايةِ الحراكِ كيفَ أنَّ أوَّلَ منْ تدافعَ للتَّظاهرِ هُم ُالشُّبَّانُ، ولو رجعْنا في الزَّمنِ إلى الوراء، ومعَ ملاحظة ِأولى نتائجِ تلك الثَّورة ِالفكريَّةِ أو العمليَّة، بدأْنا نلاحظُ ُبوضوحٍ لومَ تلكَ الفئةِ الشَّابَّةِ الثَّوريَّةِ لآبائِهم و أجدادِهم على صمتِهم لتلكَ العُقودِ التي مضَتْ، وتفضيلِهم القعودَ على النُّهوضِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أن ينكرَ أو يُخفيَ أنَّ حماس َأولئك الشَّبابِ هو من أوقد َنارَ عزيمةِ المتظاهرين والثُّوَّار ِبعدَ إيذانِهم بدءَ الرَّبيعِ العربيِّ في المنطقةِ، فمنَ الشَّابِّ البوعزيزيِّ في تونس َإلى شبَّانِ درعا في سورية، وصولاً إلى شهداءِ حادثةِ الجملِ ومجزرة ِرابعة في مصرَ، انتهاءً بما نشهدُه الآنَ من تغييرٍ في الجزائرِ والسُّودانِ، ومن منَّا لم يرَ صورةَ الشَّابَّةِ السُّودانيَّةِ التي اعتلَتْ مرتفعاً لتصدحَ بكلمةِ (ثورة)، ليصيحَ َبعدَها المتظاهرون مردِّدين خلفَها، وهي ترتدي الزّيَّ السُّودانيَّ التَّقليدي، لتتحوَّلَ بعدَها بهيئتِها تلك إلى أيقونةٍ تتناقلُها وسائلُ الإعلام ِبعشراتِ القنواتِ والمنصَّاتِ الإلكترونيَّةِ ومواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ .
ولكي نكونَ منصفين فإنَّ جميعَ ما ذكرْناه من إيجابيَّاتٍ ومن قدراتٍ تمتلكُها الفئةُ الشَّابَّةُ، فإنَّه علينا أن نتطرَّق َأيضاً لبعضِ المواضيعِ التي تعتبرُ سلبيًّة.
 جميعُنا يعلم ُأنَّ الخبرة َلها دورُها وأنّها مطلوبةٌ، لذا قرَّرْتُ أن أستهلَّ تطرُّقي لبعضِ الأمورِ السَّلبيَّةِ من كلمةِ خبرة، لأن َّجميعَ ما سأذكرُه له علاقةٌ بها.
العاطفةُ: عدمُ امتلاكِ الحنكةِ الحياتيَّةِ المطلوبةِ يجعلُنا ننصاعُ ولو كان انصياعاً جزئيّاً لعاطفتنا، أن نتأثَّرَ بالأحداثِ والوقائعِ من منطلقٍ عاطفيٍّ بعضَ الشَّيءِ، فنحنُ شبابٌ لم نقارعِ الكثيرَ من غمارِ الحياةِ كالشُّعورِ بالمسؤوليَّةِ المطلقةِ، وعدمِ الدُّخولِ بمجالِ تكوينِ الأسرةِ، والذي بدورِه يساهمُ بشكلٍ كبير ٍفي طريقةِ وضعِنا للخططِ، وطريقةِ استقبالِنا للصَّدمات، وأسلوبِ معالجتِنا لها، ولا ريبَ أنَّ من له تجربةٌ أسريَّةٌ يكونُ قد تلقَّى مجموعةَ أحداثٍ ومواقفَ، والتي تساهمُ بشكلٍ لا شعوريٍّ في تنميةِ بعضِ المهاراتِ وتشكيلِ حسّ ٍالمسؤوليَّةِ لدى الفردِ.
العيبُ الثَّاني والأكثر ُخطورة ًهو سرعة ُتكوُّنِ ردَّاتِ الفعلِ: نحنُ الشبابُ ممتلئونَ بالطَّاقةِ، ونمتلكُ سرعةً قياسيًّةً لنكوِّنَ ردَّاتِ فعل ٍلأنفسِنا، ولما نعيشُه ونعاصرُه، ردَّاتِ فعلٍ اتِّجاهَ الأحداثِ العامَّةِ.
وإن َّأكثرَ ما أخشاهُ من ردَّاتِ الفعلِ السَّلبيَّةِ الحاصلة ِهي الجماعيَّةُ منها، وبتخصيصي للسَّلبيَّةِ فسنعلمُ أنـَّه لا ريبَ أن تكونَ هنالك ردَّات ُفعلٍ إيجابيَّةٌ أيضاً.
سنتكلّمُ في بادئ الأمرِ عن بعضِ ردّات الفعل الجماعيّة التي عشناها في مراحلِ الثّورةِ السّورية، وسنقفزُ إلى منتصفِ الفترةِ، لِمَا فيها من مثالٍ كبيرٍ وشامل, سنرجعُ إلى الوراءِ سنواتٍ قليلة لنصلَ إلى فترةٍ ٢٠١٤_ ٢٠١٥.
إنّ أيّ معاصرٍ للثّورة السّورية ومتابعٍ للشّأنِ الشّبابي فيها على وجهِ الخصوص سينتقلُ بذاكرتِهِ تلقائياً إلى مشهدِ الجموعِ المهاجرةِ إلى القارّة الأوربيّة والتي يغلبُها الشّبابِ كنسبةٍ كاسحةٍ من المجموعِ العامّ.
بإمكاننا أن نعتبرَ مجموعةَ الحوادثِ تلك كشاهدٍ واضح على ردّاتِ الفعلِ الجماعيّة التي ينتهجُها الشّبابُ حينِ الضَرورة، فإنّه كفئةٍ شابّةٍ كادَت تخسرُ تعليمَها والذي لم يَرُقْها ذلكَ، فقرّرَت بمجموعةِ أفعالٍ بإمكاننا أن نقولَ عنها إنّها تلقائيةٌ بأنْ تبحثَ عن البديلِ.
قد يسألُ أحدُهم: ما هي ردّات الفعل الجماعيّة السّلبيّة التي أردنا التحدث عنها؟
وهنا نبتعدُ قليلاً عن الحدودِ والجماعاتِ المهاجرة، ونعود إلى الدّاخل السّوري، إنّ ما شهدَته الثّورةُ السّوريةُ من أخطاءٍ جماعيّةٍ وفرديةٍ قد ساهمَت بشكلٍ أو بآخرَ في تكوين ردّاتِ فعلٍ لدى الشّباب، وإنّنا هنا لسنا بصددِ غضّ الطّرف عن بعضِ أخطاءِ الفصائل المسؤولة المتعلّقة بترتيبِ أولويّاتها وبالذّات تلك التي تخصّ الشّأنَ العامّ، ولنستطيعِ إيصالَ الفكرة بشكلٍ دقيق علينا أن نتعمّق قليلاً في بعضِ الأحداثِ، والتي ستكونُ الفكرةَ النهائيةَ منها مثالاً حيّاً لردّاتِ الفعلِ الشّبابيّة الجماعيّة.
في إحدى الفتراتِ وبينما بطونُ أعدادٍ هائلةٍ من الشّعب السّوريّ شبهُ خاليةٍ، وبينما المدارسُ مهدمةٌ والمجازرُ متواترةٌ، تطرّقَت الفصائلُ في الدّاخل السّوريّ للحديثِ عن عدّة أمورٍ ساهمت في تكوينِ تساؤلاتٍ لدى الشبان، ففي خضمّ تلكَ الأحداثِ قرّرت بعضُ الجهاتِ المسؤولةِ التكلّم عن تحريمِ الدّخانِ والأركيلةِ وأمورٍ أخرى، وهذا ما أعتبرُه خللاً في ترتيبِ سلّم الأولويّات، ونتيجةَ ما حصلِ بدأت تظهرُ ردّاتُ الفعل لدى الفئة الشّابّة على وجه الخصوص، وبدا ذلك جليّاً في أحاديثِهم وأفعالِهم، وسنذكرُ هنا بعضَ الصّورِ التي تساعدُ القارئَ على فهمِ ردّاتِ الفعل تلك وسنلخّص ذلك بحادثتين:
_الأولى: ومَن منّا لا يذكرُ صورةَ ذلك الشّاب المستلّ سيجارتَه أمامَ لافتةٍ كُتبَ عليها "التّدخينُ حرامُ" ولا شكّ أنّه حرامٌ، ولكنّ ذلك الخللَ العامّ في التّعاملِ مع الأولويّات جعلَ ذلكَ الشّابَّ الذي قرّرَ بجرأةّ أن يتكلّمَ عن حقيقةِ ما يدورُ في أذهانِ الفئةِ الشّابّةِ من ردّات فعل.
 _ والثانية: وننتقلُ هنا إلى صورةٍ أخرى قرّرَ نشرَها أحدُ الطلّابِ الجامعيين ممسكاً بيدِه "خرطومَ" الأركيلةِ كاتباً فوقِها كلماتٍ مجازُها أنّه قد علمَ تحريمَ الأركيلةِ والدّخانِ وعلمَ خللَ العلمانيّةِ والديمقراطيّةِ، ولكن ماذا سيفيدُه علمُه ذاكَ بعدَ أن قتلَ أخاهُ وهدمَ بيته.
ما سبقَ كانا مثالين حيّين يختزلانِ ردّات فعلٍ جماعيّةٍ
في رجوعنا إلى اهتمام السُّلطات بجذب وتجنيد الفئة الشَّابَّة على كافة الأصعدة، فلا يمكن لأيِّ سوريٍّ من مواليد 1995 وما دون إلا أن يذكر كيف كان حزب البعث المتمثل بنظام الحكم يتابع الشَّباب منذ طفولتهم حتَّى يصبحوا رجالاً ونساءً لهم دورهم في المجتمع، وقد حرص نظام الأسد على تربية أفراد الشَّعب السُّوري تربيةً بعثيةً بحتةً، فما إنْ يبلغ أحدهم أو إحداهن المرحلة الإعداديَّة حتَّى يتمَّ إرسالهم إلى المعسكر المعروف معسكر طلائع البعث، وفي المرحلة الثَّانوية يتمُّ إرسالهم إلى معسكر شبيبة البعث، وحين وصولهم إلى المرحلة الجامعيَّة يتمُّ ضمهم إلى الحزب بشكلٍ تلقائيٍّ، كيف لا؛ وقد تمًّت تهيئتهم تهيئة وطيدة، وصرف جهود كبيرة على المستوى الماليٍّ والدٍّيموغرافيٍّ، وكلٌّ كان بمثابة ترويض لهم وسَوق لقدراتهم، ما سبق يجعلنا نعي أنَّ نظام الأسد كان مدركاً أهمية الفئة اليافعة والشَّابَّة إدراكاً تاماً، كما أدرك اليابانيون أهمية نفس الأمر، ومَن منَّا لم يرَ صور المدارسِ المتمثلة بصفوف في العراء، ومقاعدَ على التُّراب، حيث يقوم الأساتذة بتدريس الطُّلاب بعد أن أصابتهم إحدى أكبر مصائب بني البشر، وهي قنبلة هيروشيما وناكازاكي، فما الذي دفع المجتمع هناك للقيام  بهذه الخطوة الصعبة رغم فقدان الإمكانيات؟ لأنَّهم يريدون النَّهضة من جديد، لأنَّهم آثروا الوصول إلى ريادة العالم بدل العيش في الحضيض كما هي معيشة بعض الشُّعوب في وقتنا الحالي.
ولدى زيادة إدراكنا لما تمتلك الفئة الشَّابَّة من قدرات، أصبح العالم الآن يتغنى بوصول شابٍّ أو شابَّة ما إلى مفاصل الدَّولة لقدراتهم أو للكاريزما التي يمتلكونها والتي تجسد أيضاً تلك القدرات.
لذا فيا شباب هذه البقعة المنكوبة عليكم وفيكم الأمل، وهذا ليس كلاماً منمقاً فحسب، بل هي حقيقة مطلقة، وعلينا أنْ نعلمَ أنَّ أطفال اليوم هم شباب الغد، وأنَّ شباب اليوم هم رجال الغد ونساؤه، لذا فلنعمل على أنفسنا جيداً، فطريق الخلاص إن كان سيصل إليه أحد فإن من سيصل إليه هم شباب هذا البلد.

إرسال تعليق

0 تعليقات